فصل: باب مَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَفُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأم ***


باب السَّلَفِ فِي الشَّيْءِ الْمُصْلِحِ لِغَيْرِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ كُلُّ صِنْفٍ حَلَّ السَّلَفُ فِيهِ وَحْدَهُ فَخُلِطَ مِنْهُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ غَيْرِ جِنْسِهِ مِمَّا يَبْقَى فِيهِ فَلاَ يُزَايِلُهُ بِحَالٍ سِوَى الْمَاءِ وَكَانَ الَّذِي يَخْتَلِطُ بِهِ قَائِمًا فِيهِ وَكَانَ مِمَّا يَصْلُحُ فِيهِ السَّلَفُ وَكَانَا مُخْتَلِطَيْنِ لاَ يَتَمَيَّزَانِ فَلاَ خَيْرَ فِي السَّلَفِ فِيهِمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَطَا فَلَمْ يَتَمَيَّزْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ لَمْ أَدْرِ كَمْ قَبَضْت مِنْ هَذَا وَهَذَا‏؟‏ فَكُنْت قَدْ أَسْلَفْت فِي شَيْءٍ مَجْهُولٍ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ أُسْلِمَ فِي عَشْرَةِ أَرْطَالِ سَوِيقِ لَوْزٍ فَلَيْسَ يَتَمَيَّزُ السُّكَّرُ مِنْ دُهْنِ اللَّوْزِ، وَلاَ اللَّوْزُ إذَا خُلِطَ بِهِ أَحَدُهُمَا فَيَعْرِفُ الْقَابِضُ الْمُبْتَاعَ كَمْ قَبَضَ مِنْ السُّكَّرِ وَدُهْنِ اللَّوْزِ وَاللَّوْزِ فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا كَانَ بَيْعًا مَجْهُولاً وَهَكَذَا إنْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي سَوِيقٍ مَلْتُوتٍ مَكِيلٍ؛ لِأَنِّي لاَ أَعْرِفُ قَدْرَ السَّوِيقِ مِنْ الزَّيْتِ وَالسَّوِيقُ يَزِيدُ كَيْلُهُ بِاللُّتَاتِ وَلَوْ كَانَ لاَ يَزِيدُ كَانَ فَاسِدًا مِنْ قِبَلِ أَنِّي ابْتَعْت سَوِيقًا وَزَيْتًا وَالزَّيْتُ مَجْهُولٌ، وَإِنْ كَانَ السَّوِيقُ مَعْرُوفًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فِي أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْأَوْلَى أَنْ لاَ يَجُوزَ إنْ أَسْلَمَ إلَيْك فِي فَالُوذَجَ وَلَوْ قُلْت ظَاهِرُ الْحَلاَوَةِ أَوْ ظَاهِرُ الدَّسَمِ لَمْ يَجُزْ لِأَنِّي لاَ أَعْرِفُ قَدْرَ النَّشَاسْتَجِ مِنْ الْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ وَالدُّهْنِ الَّذِي فِيهِ سَمْنٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَلاَ أَعْرِفُ حَلاَوَتَهُ أَمِنْ عَسَلِ نَحْلٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَلاَ مِنْ أَيِّ عَسَلٍ وَكَذَلِكَ دَسَمُهُ فَهُوَ لَوْ كَانَ يَعْرِفُ وَيَعْرِفُ السَّوِيقَ الْكَثِيرَ اللُّتَاتِ كَانَ كَمَا يُخَالِطُ صَاحِبَهُ فَلاَ يَتَمَيَّزُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي أَرْطَالِ حَيْسٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ قَدْرَ التَّمْرِ مِنْ الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ‏.‏

قال‏:‏ وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِالْأَبْزَارِ وَالْمِلْحِ وَالْخَلِّ وَفِي مِثْلِهِ الدَّجَاجُ الْمَحْشُوُّ بِالدَّقِيقِ وَالْأَبْزَارِ أَوْ الدَّقِيقِ وَحْدِهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لاَ يَعْرِفُ قَدْرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْأَبْزَارِ، وَلاَ الدَّجَاجِ مِنْ الْحَشْوِ لِاخْتِلاَفِ أَجْوَافِهَا وَالْحَشْوِ فِيهَا وَلَوْ كَانَ يَضْبِطُ ذَلِكَ بِوَزْنٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنْ ضَبَطَ وَزْنَ الْجُمْلَةِ لَمْ يَضْبِطْ وَزْنَ مَا يَدْخُلُهُ، وَلاَ كَيْلَهُ‏.‏

قال‏:‏ وَفِيهِ مَعْنًى يُفْسِدُهُ سِوَى هَذَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ نَشَاسْتَجًا جَيِّدًا أَوْ عَسَلاً جَيِّدًا لَمْ يَعْرِفْ جَوْدَةَ النَّشَاسْتَجِ مَعْمُولاً، وَلاَ الْعَسَلِ مَعْمُولاً لِقَلْبِ النَّارِ لَهُ وَاخْتِلاَطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَلاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ أَنَّهُ مِنْ شَرْطِهِ هُوَ أَمْ لاَ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ سَلَّفَ فِي لَحْمٍ مَشْوِيٍّ بِوَزْنٍ أَوْ مَطْبُوخٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ فِي اللَّحْمِ إلَّا مَوْصُوفًا بِسَمَانَةٍ وَقَدْ تَخْفَى مَشْوِيًّا إذَا لَمْ تَكُنْ سَمَانَةً فَاخِرَةً وَقَدْ يَكُونُ أَعْجَفَ فَلاَ يَخْلُصُ أَعْجَفُهُ مِنْ سَمِينِهِ، وَلاَ مُنْقِيهِ مِنْ سَمِينِهِ إذَا تَقَارَبَ، وَإِذَا كَانَ مَطْبُوخًا فَهُوَ أَبْعَدُ أَنْ يَعْرِفَ أَبَدًا سَمِينَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَحُ أَعْجَفَهُ مَعَ سَمِينِهِ وَيَكُونُ مَوَاضِعُ مِنْ سَمِينِهِ لاَ يَكُونُ فِيهَا شَحْمٌ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعٌ مَقْطُوعٌ مِنْ اللَّحْمِ كَانَتْ فِي بَعْضِهِ دَلاَلَةٌ عَلَى سَمِينِهِ وَمُنْقِيهِ وَأَعْجَفِهِ فَكُلُّ مَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْهُ مِثْلُهُ‏.‏

قال‏:‏ وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يُسْلِمَ فِي عَيْنٍ عَلَى أَنَّهَا تُدْفَعُ إلَيْهِ مُغَيِّرَةً بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّهَا تِلْكَ الْعَيْنُ اخْتَلَفَ كَيْلُهَا أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُسَلِّفَهُ فِي صَاعِ حِنْطَةٍ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ إيَّاهَا دَقِيقًا اشْتَرَطَ كَيْلَ الدَّقِيقِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَصَفَ جِنْسًا مِنْ حِنْطَةٍ وَجَوْدَةٍ فَصَارَتْ دَقِيقًا أَشْكَلَ الدَّقِيقُ مِنْ مَعْنَيَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْحِنْطَةُ الْمَشْرُوطَةُ مَائِيَّةً فَتُطْحَنُ حِنْطَةٌ تُقَارِبُهَا مِنْ حِنْطَةِ الشَّامِ وَهُوَ‏.‏ غَيْرُ الْمَائِيِّ، وَلاَ يُخَلِّصُ هَذَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَكِيلَةَ الدَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْثُرُ إذَا طُحِنَ وَيَقِلُّ وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَسْتَوْفِ كَيْلَ الْحِنْطَةِ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْبَائِعِ‏.‏

قال‏:‏ وَقَدْ يُفْسِدُهُ غَيْرُنَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ أَنْ يَقُولَ لِطَحْنِهِ إجَارَةٌ لَهَا قِيمَةٌ لَمْ تُسَمَّ فِي أَصْلِ السَّلَفِ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ إجَازَةٌ فَلَيْسَ يَعْرِفُ ثَمَنَ الْحِنْطَةِ مِنْ قِيمَةِ الْإِجَارَةِ فَيَكُونُ سَلَفًا مَجْهُولاً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا وَجْهٌ آخَرُ يَجِدُهُ مَنْ أَفْسَدَهُ فِيهِ مَذْهَبًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

قال‏:‏ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُسَلِّفُهُ فِي دَقِيقٍ مَوْصُوفٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ لَهُ حِنْطَةً مَوْصُوفَةً وَشَرَطَ عَلَيْهِ فِيهَا عَمَلاً بِحَالٍ إنَّمَا ضَمِنَ لَهُ دَقِيقًا مَوْصُوفًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَهُ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ بِذَرْعٍ يُوصَفْ بِهِ الثِّيَابُ جَازَ، وَإِنْ أَسْلَفَهُ فِي غَزْلٍ مَوْصُوفٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ لَهُ ثَوْبًا لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ صِفَةَ الْغَزْلِ لاَ تُعْرَفُ فِي الثَّوْبِ، وَلاَ تُعْرَفُ حِصَّةُ الْغَزْلِ مِنْ حِصَّةِ الْعَمَلِ، وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ مَوْصُوفًا عُرِفَتْ صِفَتُهُ‏.‏

قال‏:‏ وَكُلُّ مَا أَسْلَمَ فِيهِ وَكَانَ يَصْلُحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لاَ بِغَيْرِهِ فَشَرَطَهُ مُصْلِحًا فَلاَ بَأْسَ بِهِ كَمَا يُسْلِمُ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ وُشِيَ أَوْ مُسَيَّرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ صِبْغِ الْغَزْلِ وَذَلِكَ أَنَّ الصِّبْغَ فِيهِ كَأَصْلِ لَوْنِ الثَّوْبِ فِي السُّمْرَةِ وَالْبَيَاضِ وَأَنَّ الصِّبْغَ لاَ يُغَيِّرُ صِفَةَ الثَّوْبِ فِي دِقَّةٍ، وَلاَ صَفَاقَةٍ، وَلاَ غَيْرِهِمَا كَمَا يَتَغَيَّرُ السَّوِيقُ وَالدَّقِيقُ بِاللُّتَاتِ، وَلاَ يُعْرَفُ لَوْنُهُمَا وَقَدْ يُشْتَرَيَانِ عَلَيْهِ، وَلاَ طَعْمُهُمَا وَأَكْثَرُ مَا يُشْتَرَيَانِ عَلَيْهِ، وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ عَلَى أَنْ يَصْبُغَهُ مُضَرَّجًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ التَّضْرِيجِ وَأَنَّ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَأْخُذُ مِنْ التَّضْرِيجِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ مِثْلُهُ فِي الذَّرْعِ وَأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ أَحَدُهُمَا ثَوْبٌ وَالْآخَرُ صِبْغٌ فَكَانَ الثَّوْبُ، وَإِنْ عُرِفَ مَصْبُوغًا بِجِنْسِهِ قَدْ عَرَفَهُ فَالصِّبْغُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ قَدْرُهُ وَهُوَ مُشْتَرًى، وَلاَ خَيْرَ فِي مُشْتَرًى إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُسْلِمُ فِي ثَوْبِ عَصْبٍ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ زِينَةٌ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ الثَّوْبَ إلَّا وَهَذَا الصِّبْغُ قَائِمٌ فِيهِ قِيَامَ الْعَمَلِ مِنْ النَّسْجِ وَلَوْنُ الْغَزْلِ فِيهِ قَائِمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ عَنْ صِفَتِهِ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا جَازَ، وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ مُشْتَرًى بِلاَ صِبْغٍ ثُمَّ أُدْخِلَ الصِّبْغُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّوْبَ وَيَعْرِفَ الصِّبْغَ لَمْ يَجُزْ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ غَزْلَ الثَّوْبِ، وَلاَ قَدْرَ الصِّبْغِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسَلِّفَهُ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ يُوَفِّيهِ إيَّاهُ مَقْصُورًا قِصَارَةً مَعْرُوفَةً أَوْ مَغْسُولاً غَسْلاً نَقِيًّا مِنْ دَقِيقِهِ الَّذِي يُنْسَجُ بِهِ، وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ قَدْ لُبِسَ أَوْ غُسِلَ غَسْلَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَغْسِلُهُ غَسْلَةً بَعْدَمَا يُنْهِكُهُ وَقَبْلُ فَلاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ هَذَا، وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يُسْلِمَ فِي حِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ؛ لِأَنَّ الِابْتِلاَلَ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ مَا يُرِيدُ فِي الْحِنْطَةِ وَقَدْ تُغَيَّرُ الْحِنْطَةُ حَتَّى لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ صِفَتِهَا كَمَا يُوقَفُ عَلَيْهَا يَابِسَةً، وَلاَ خَيْرَ فِي السَّلَفِ فِي مُجَمَّرٍ مُطَرًّى وَلَوْ وُصِفَ وَزْنٌ لِلتَّطْرِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَزِنَ التَّطْرِيَةَ فَيَخْلُصُ وَزْنُهَا مِنْ وَزْنِ الْعُودِ، وَلاَ يُضْبَطُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ الْغَيْرُ بِمَا يَمْنَعُ لَهُ الدَّلاَلَةَ التَّطْرِيَةَ لَهُ عَلَى جَوْدَةِ الْعُودِ وَكَذَلِكَ لاَ خَيْرَ فِي السَّلَفِ فِي الْغَالِيَةِ، وَلاَ شَيْءٍ مِنْ الْأَدْهَانِ الَّتِي فِيهَا الْأَثْقَالُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُوقَفُ عَلَى صِفَتِهِ، وَلاَ قَدْرِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَلاَ يَتَمَيَّزُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ‏.‏

قال‏:‏ وَلاَ بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي دُهْنِ حَبِّ الْبَانِ قَبْلَ أَنْ يَنُشَّ بِشَيْءٍ وَزْنًا وَأَكْرَهُهُ مَنْشُوشًا؛ لِأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ قَدْرَ النَّشِّ مِنْهُ وَلَوْ وَصَفَهُ بِرِيحٍ كَرِهْته مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ الرِّيحِ قَالَ وَأَكْرَهُهُ فِي كُلِّ دُهْنٍ طَيِّبٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّفَهُ فِي دُهْنٍ مُطَيِّبٍ أَوْ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ الطِّيبِ كَمَا لاَ يُوقَفُ عَلَى الْأَلْوَانِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْت فِيهِ أَنَّ أَدْهَانَ الْبُلْدَانِ تَتَفَاضَلُ فِي بَقَاءِ طَيْفِ الرِّيحِ عَلَى الْمَاءِ وَالْعَرَقِ وَالْقَدَمِ فِي الْحُنُوِّ وَغَيْرِهِ وَلَوْ شَرَطَ دُهْنَ بَلَدٍ كَانَ قَدْ نَسَبَهُ فَلاَ يَخْلُصُ كَمَا تَخْلُصُ الثِّيَابُ فَتُعْرَفُ بِبُلْدَانِهَا المجسية وَاللَّوْنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالَ‏:‏ وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسَلِّفَهُ فِي طَسْتٍ أَوْ تَوْرٍ مِنْ نُحَاسٍ أَحْمَرَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ شَبَهٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ حَدِيدٍ وَيَشْتَرِطُهُ بِسَعَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَمَضْرُوبًا أَوْ مُفَرَّغًا وَبِصَنْعَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَيَصِفُهُ بِالثَّخَانَةِ أَوْ الرِّقَّةِ وَيَضْرِبُ لَهُ أَجَلاً كَهُوَ فِي الثِّيَابِ، وَإِذَا جَاءَ بِهِ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ‏.‏

قال‏:‏ وَكَذَلِكَ كُلُّ‏.‏ إنَاءٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ضُبِطَتْ صِفَتُهُ فَهُوَ كَالطَّسْتِ وَالْقُمْقُمِ قَالَ‏:‏ وَلَوْ كَانَ يَضْبِطُ أَنْ يَكُونَ مَعَ شَرْطِ السَّعَةِ وَزْنٌ كَانَ أَصَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَزْنًا صَحَّ إذَا اشْتَرَطَ سَعَةً كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَبْتَاعَ ثَوْبًا بِصَنْعَةٍ وَشَيْءٍ وَغَيْرِهِ بِصِفَةٍ وَسَعَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَهُ وَهَذَا شِرَاءُ صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ فَلاَ يَجُوزُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَهَا وَتَكُونَ عَلَى مَا وَصَفْت‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ طَسْتًا مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ وَرَصَاصٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا لاَ يَخْلُصَانِ فَيَعْرِفُ قَدْرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَيْسَ هَذَا كَالصِّبْغِ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ فِي ثَوْبِهِ زِينَةٌ لاَ يُغَيِّرُهُ أَنْ تُضْبَطَ صِفَتُهُ وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ قَالَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا اُسْتُصْنِعَ، وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلِّفَ فِي قَلَنْسُوَةٍ مَحْشُوَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَضْبِطُ وَزْنَ حَشْوِهَا، وَلاَ صِفَتَهُ، وَلاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّ بِطَانَتِهَا، وَلاَ تُشْتَرَى هَذِهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلِّفَهُ فِي خُفَّيْنِ، وَلاَ نَعْلَيْنِ مَخْرُوزَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لاَ يُوصَفَانِ بِطُولٍ، وَلاَ عَرْضٍ، وَلاَ تُضْبَطُ جُلُودُهُمَا، وَلاَ مَا يَدْخُلُ فِيهِمَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي هَذَا أَنْ يَبْتَاعَ النَّعْلَيْنِ وَالشِّرَاكَيْنِ وَيَسْتَأْجِرَ عَلَى الْحَذْوِ وَعَلَى خَرَّازِ الْخُفَّيْنِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ صِحَافًا أَوْ قِدَاحًا مِنْ نَحْوٍ مَعْرُوفٍ وَبِصِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَقَدْرٍ مَعْرُوفٍ مِنْ الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْعُمْقِ وَالضِّيقِ وَيَشْتَرِطَ أَيَّ عَمَلٍ، وَلاَ بَأْسَ إنْ كَانَتْ مِنْ قَوَارِيرَ وَيَشْتَرِطَ جِنْسَ قَوَارِيرِهَا وَرِقَّتَهُ وَثَخَانَتَهُ وَلَوْ كَانَتْ الْقَوَارِيرُ بِوَزْنٍ مَعَ الصِّفَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَصَحَّ لِلسَّلَفِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَمِلَ فَلَمْ يُخْلَطْ بِغَيْرِهِ وَاَلَّذِي يُخْلَطُ بِغَيْرِهِ النَّبْلُ فِيهَا رِيشٌ وَنِصَالٌ وَعَقْبٌ وَرُومَةٌ وَالنِّصَالُ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ فَأَكْرَهُ السَّلَفَ فِيهِ، وَلاَ أُجِيزُهُ قَالَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ آجُرًّا بِطُولٍ وَعَرْضٍ وَثَخَانَةٍ وَيَشْتَرِطُ مِنْ طِينٍ مَعْرُوفٍ وَثَخَانَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَلَوْ شَرَطَ مَوْزُونًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَلاَ بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ بَيْعُ صِفَةٍ وَلَيْسَ يُخْلَطُ بِالطِّينِ غَيْرُهُ مِمَّا يَكُونُ الطِّينُ غَيْرَ مَعْرُوفِ الْقَدْرَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ يَخْلِطُهُ الْمَاءَ وَالْمَاءُ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ وَالنَّارُ شَيْءٌ لَيْسَ مِنْهُ، وَلاَ قَائِمٌ فِيهِ إنَّمَا لَهَا فِيهِ أَثَرُ صَلاَحٍ وَإِنَّمَا بَاعَهُ بِصِفَةٍ، وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ لَبِنًا عَلَى أَنْ يَطْبُخَهُ فَيُوَفِّيهِ إيَّاهُ آجُرًّا وَذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ قَدْرَ مَا يَذْهَبُ فِي طَبْخِهِ مِنْ الْحَطَبِ وَأَنَّهُ قَدْ يَتَلَهْوَجُ وَيَفْسُدُ فَإِنْ أَبْطَلْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي كُنَّا، قَدْ أَبْطَلْنَا شَيْئًا اسْتَوْجَبَهُ، وَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ إيَّاهُ أَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ مَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ‏.‏

باب السَّلَفِ يَحِلُّ فَيَأْخُذُ الْمُسَلِّفُ بَعْضَ رَأْسِ مَالِهِ وَبَعْضَ سَلَفِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ مَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا فِي طَعَامٍ مَوْصُوفٍ فَحَلَّ السَّلَفُ قَائِمًا لَهُ طَعَامٌ فِي ذِمَّةِ بَائِعِهِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِهِ كُلِّهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ إيَّاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ كَمَا يَتْرُكُ سَائِرَ حُقُوقِهِ إذَا شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بَعْضَهُ وَأَنْظَرَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنْ شَاءَ أَقَالَهُ مِنْهُ كُلِّهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ كُلِّهِ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى الْإِقَالَةِ كَانَ لَهُ إذَا اجْتَمَعَا أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ بَعْضِهِ فَيَكُونُ مَا أَقَالَهُ مِنْهُ كَمَا لَمْ يَتَبَايَعَا فِيهِ، وَمَا لَمْ يُقِلْهُ مِنْهُ كَمَا كَانَ لاَزِمًا لَهُ بِصِفَتِهِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ السَّلَفِ فِي هَذَا وَبَيْنَ طَعَامٍ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ السَّلَفِ، وَقَالَ وَلَكِنْ إنْ حَلَّ لَهُ طَعَامٌ فَقَالَ أُعْطِيك مَكَانَ مَا لَك مِنْ الطَّعَامِ عَلَيَّ طَعَامًا غَيْرَهُ أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، وَإِنَّمَا لِهَذَا الْمُسَلِّفِ طَعَامٌ فَإِذَا أَخَذَ غَيْرَهُ بِهِ فَقَدْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَإِذَا أَقَالَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ بَعْضِهِ فَالْإِقَالَةُ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ إنَّمَا هِيَ نَقْضُ بَيْعٍ تَرَاضَيَا بِنَقْضِ الْعُقْدَةِ الْأُولَى الَّتِي وَجَبَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا‏؟‏ فَالْقِيَاسُ لَمَعْقُولٌ مُكْتَفًى بِهِ فِيهِ فَإِنْ قَالَ فَهَلْ فِيهِ أَثَرٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏؟‏ قِيلَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقْبَلَ رَأْسَ مَالِهِ مِنْهُ أَوْ يُنْظِرَهُ أَوْ يَأْخُذَ بَعْضَ السِّلْعَةِ وَيُنْظِرَهُ بِمَا بَقِيَ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَسْلَفْت دِينَارًا فِي عَشْرَةِ أَفْرَاقٍ فَحَلَّتْ أَفَأَقْبِضُ مِنْهُ إنْ شِئْت خَمْسَةَ أَفْرَاقٍ وَأَكْتُبُ نِصْفَ الدِّينَارِ عَلَيْهِ دَيْنًا‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَالَهُ مِنْهُ فَلَهُ عَلَيْهِ رَأْسُ مَالِ مَا أَقَالَهُ مِنْهُ وَسَوَاءٌ انْتَقَدَهُ أَوْ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مَالٌ حَالٌّ جَازَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَأَنْ يُنْظِرَهُ بِهِ مَتَى شَاءَ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ رَأْسِ مَالِهِ وَبَعْضًا طَعَامًا أَوْ يَأْخُذَ بَعْضًا طَعَامًا وَيَكْتُبَ مَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُ طَعَامًا وَبَعْضَهُ دَنَانِيرَ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ رَجُلٌ أَسْلَفَ بَزًّا فِي طَعَامٍ فَدَعَا إلَى ثَمَنِ الْبَزِّ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ لاَ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ أَوْ بَزَّهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ قَوْلُ عَطَاءٍ فِي الْبَزِّ أَنْ لاَ يُبَاعَ الْبَزُّ أَيْضًا حَتَّى يُسْتَوْفَى فَكَأَنَّهُ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الطَّعَامِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ طَعَامٌ أَسْلَفْت فِيهِ فَحَلَّ فَدَعَانِي إلَى طَعَامٍ غَيْرِهِ فَرَّقَ بِفَرْقٍ لَيْسَ لِلَّذِي يُعْطِينِي عَلَى الَّذِي كَانَ لِي عَلَيْهِ فَضْلٌ قَالَ‏:‏ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ لَيْسَ ذَلِكَ بِبَيْعٍ إنَّمَا ذَلِكَ قَضَاءٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ هَذَا كَمَا قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَلَّفَهُ فِي صِفَةٍ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ فَإِذَا جَاءَهُ بِصِفَتِهِ فَإِنَّمَا قَضَاهُ حَقَّهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ‏:‏ وَلَوْ أَسْلَفَهُ فِي بُرِّ الشَّامِ فَأَخَذَ مِنْهُ بُرًّا غَيْرَهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ وَهَذَا كَتَجَاوُزِهِ فِي ذَهَبِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ سَعِيدٌ قَالَ وَلَكِنْ لَوْ حَلَّتْ لَهُ مِائَةٌ فَرْقٍ اشْتَرَاهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهُ بِهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا إقَالَتُهُ فَإِذَا أَقَالَهُ صَارَ لَهُ عَلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ فَإِذَا بَرِئَ مِنْ الطَّعَامِ، وَصَارَتْ لَهُ عَلَيْهِ ذَهَبٌ تَبَايَعَا بَعْدُ بِالذَّهَبِ مَا شَاءَ أَوْ تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ‏.‏

باب صَرْفِ السَّلَفِ إلَى غَيْرِهِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا قَالَ الشَّافِعِيّ مَنْ سَلَّفَ فِي بَيْعٍ فَلاَ يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَلاَ يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ قَالَ‏:‏ وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنْ لاَ يُبَاعَ شَيْءٌ اُبْتِيعَ حَتَّى يُقْبَضَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ قَوْلَنَا فِي كُلِّ بَيْعٍ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ حَتَّى يُسْتَوْفَى‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ سِلْعَةً غَائِبَةً وَنَقَدَ ثَمَنَهَا فَلَمَّا رَآهَا لَمْ يَرْضَهَا فَأَرَادَا أَنْ يُحَوِّلاَ بَيْعَهُمَا فِي سِلْعَةٍ غَيْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ الثَّمَنَ قَالَ لاَ يَصْلُحُ قَالَ كَأَنَّهُ جَاءَهُ بِهَا عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ وَتَحْوِيلُهُمَا بَيْعَهُمَا فِي سِلْعَةٍ غَيْرِهَا بَيْعٌ لِلسِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ‏.‏ قَالَ وَلَوْ سَلَّفَ رَجُلٌ رَجُلاً دَرَاهِمَ فِي مِائَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ وَأَسْلَفَهُ صَاحِبُهُ دَرَاهِمَ فِي مِائَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ وَصِفَةُ الْحِنْطَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَمَحِلُّهُمَا وَاحِدٌ أَوْ مُخْتَلِفٌ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِائَةُ صَاعٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَلاَ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قِصَاصًا مِنْ الْآخَرِ مِنْ قِبَلِ أَنِّي لَوْ جَعَلْت الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ قِصَاصًا كَانَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَبَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَسِيئَةٌ، وَمَنْ أَسْلَفَ فِي طَعَامٍ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَحَلَّ السَّلَفُ فَقَالَ الَّذِي لَهُ السَّلَفُ‏:‏ كُلُّ طَعَامِي زِنْهُ وَاعْزِلْهُ عِنْدَك حَتَّى آتِيَك فَأَنْقُلُهُ فَفَعَلَ فَسُرِقَ الطَّعَامُ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَلاَ يَكُونُ هَذَا قَبْضًا مِنْ رَبِّ الطَّعَامِ، وَلَوْ كَالَهُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِأَمْرِهِ حَتَّى يَقْبِضَ أَوْ يَقْبِضَهُ وَكِيلٌ لَهُ فَيَبْرَأُ الْبَائِعُ مِنْ ضَمَانِهِ حِينَئِذٍ‏.‏

باب الْخِيَارِ فِي السَّلَفِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَلاَ يَجُوزُ الْخِيَارُ فِي السَّلَفِ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَبْتَاعُ مِنْك بِمِائَةِ دِينَارٍ أَنْقُدُكَهَا مِائَةَ صَاعٍ تَمْرًا إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ بَعْدَ تَفَرُّقِنَا مِنْ مَقَامِنَا الَّذِي تَبَايَعْنَا فِيهِ أَوْ أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَوْ كِلاَنَا بِالْخِيَارِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْبَيْعُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَشَارَطَا الْخِيَارَ ثَلاَثًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَبْتَاعُ مِنْك مِائَةَ صَاعٍ تَمْرًا بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمًا إنْ رَضِيتَ أَعْطَيْتُك الدَّنَانِيرَ، وَإِنْ لَمْ أَرْضَ فَالْبَيْعُ بَيْنِي وَبَيْنَك مَفْسُوخٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ مَوْصُوفٌ وَالْبَيْعُ الْمَوْصُوفُ لاَ يَجُوزُ إلَّا بِأَنْ يَقْبِضَ صَاحِبُهُ ثَمَنَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ مَا سَلَّفَ فِيهِ قَبْضُ مِلْكٍ، وَهُوَ لَوْ قَبَضَ مَالَ الرَّجُلِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ لَمْ يَكُنْ قَبْضُهُ قَبْضَ مِلْكٍ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ مَا دَفَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ فَلَمْ يُمَلِّكْهُ الْبَائِعُ مَا بَاعَهُ؛ لِأَنَّهُ عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَالِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ إلَّا مَقْطُوعًا بِلاَ خِيَارٍ‏.‏ وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ رَجُلٌ رَجُلاً مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِائَةَ صَاعٍ مَوْصُوفٍ إلَى أَجَلِ كَذَا فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يُعْطِهِ مَا أَسْلَفَهُ أَوْ يَرُدَّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ حَتَّى يَكُونَ الْبَيْعُ مَقْطُوعًا بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ‏:‏ فَإِنْ حَبَسْتَنِي عَنْ رَأْسِ مَالِي فَلِي زِيَادَةُ كَذَا‏.‏ فَلاَ يَجُوزُ شَرْطَانِ حَتَّى يَكُونَ الشَّرْطُ فِيهِمَا وَاحِدًا مَعْرُوفًا‏.‏

باب مَا يَجِبُ لِلْمُسَلِّفِ عَلَى الْمُسَلَّفِ مِنْ شَرْطِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ إذَا أَحْضَرَ الْمُسَلِّفُ السِّلْعَةَ الَّتِي أَسْلَفَ فَكَانَتْ طَعَامًا فَاخْتَلَفَا فِيهِ دَعَا لَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ الْمُشْتَرِي طَعَامًا جَيِّدًا جَدِيدًا قِيلَ هَذَا جَيِّدٌ جَدِيدٌ‏؟‏ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ قِيلَ وَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ‏؟‏ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ لَزِمَ الْمُسَلَّفَ أَخْذُ أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصِّفَةِ مِنْ الْجَوْدَةِ وَغَيْرِهَا وَيَبْرَأُ الْمُسَلِّفُ وَيَلْزَمُ الْمُسَلَّفَ أَخْذُهُ‏.‏ وَهَكَذَا هَذَا فِي الثِّيَابِ يُقَالُ هَذَا ثَوْبٌ مِنْ وَشْيِ صَنْعَاءَ وَالْوَشْيُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يُوسُفِيٌّ وَبِطُولِ كَذَا وَبِعَرْضِ كَذَا وَدَقِيقٌ أَوْ صَفِيقٌ أَوْ جَيِّدٌ أَوْ هُمَا وَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ‏؟‏ فَإِذَا قَالُوا نَعَمْ فَأَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ يَبْرَأُ مِنْهُ الَّذِي سَلَّفَ فِيهِ وَيَلْزَمُ الْمُسَلَّفَ وَيُقَالُ فِي الدَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ وَكُلُّ شَيْءٍ هَكَذَا إذَا أَلْزَمَهُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ صِفَةً وَجَوْدَةً فَأَدْنَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصِّفَةِ مِنْ دِقَّةٍ وَغَيْرِهَا وَاسْمُ الْجَوْدَةِ يُبْرِئُهُ مِنْهُ‏.‏ وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَهُ رَدِيئًا فَالرَّدِيءُ يَلْزَمُهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ إذَا أَسْلَفْت فَإِيَّاكَ إذَا حَلَّ حَقُّك بِاَلَّذِي سَلَّفْت فِيهِ كَمَا اشْتَرَطْت وَنَقَدْت فَلَيْسَ لَك خِيَارٌ إذَا أَوْفَيْت شَرْطَك وَبَيْعَك‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ جَاءَ بِهِ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْجَوْدَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالْفَضْلِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ خَيْرٌ لَهُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ سَأَصِفُ لَك مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏

باب اخْتِلاَفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالسَّلَفِ إذَا رَآهُ الْمُسَلَّفُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ لَوْ أَنَّ رَجُلاً سَلَّفَ رَجُلاً ذَهَبًا فِي طَعَامٍ مَوْصُوفٍ حِنْطَةٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَانَ أَسْلَفَهُ فِي صِنْفٍ مِنْ التَّمْرِ رَدِيءٍ فَأَتَاهُ بِخَيْرٍ مِنْ الرَّدِيءِ أَوْ جَيِّدٍ فَأَتَاهُ بِخَيْرٍ مِمَّا يَلْزَمُهُ اسْمُ الْجَيِّدِ بَعْدَ أَنْ لاَ يَخْرُجَ مِنْ جِنْسِ مَا سَلَّفَهُ فِيهِ إنْ كَانَ عَجْوَةً أَوْ صَيْحَانِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لَزِمَ الْمُسَلَّفَ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّ الرَّدِيءَ لاَ يُغْنِي غَنَاءً إلَّا أَغْنَاهُ الْجَيِّدُ وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَلْزَمْنَاهُ أَدْنَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ فَأَعْطَاهُ أَعْلَى مِنْهَا فَالْأَعْلَى يُغْنِي أَكْثَرَ مِنْ غَنَاءِ الْأَسْفَلِ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرًا مِمَّا لَزِمَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ لَهُ مِمَّا يَلْزَمُهُ اسْمُ الْجَيِّدِ فَيَكُونُ أَخْرَجَهُ مِنْ شَرْطِهِ إلَى غَيْرِ شَرْطِهِ فَإِذَا فَارَقَ الِاسْمَ أَوْ الْجِنْسَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي تَرْكِهِ وَقَبْضِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ الزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ الْمَعْرُوفِ كَيْلُهُ قَالَ وَبَيَانُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَفَهُ فِي عَجْوَةٍ فَأَعْطَاهُ بَرْدِيًّا، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا أَضْعَافًا لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْجِنْسِ الَّذِي أَسْلَفَهُ فِيهِ قَدْ يُرِيدُ الْعَجْوَةَ لِأَمْرٍ لاَ يَصْلُحُ لَهُ الْبَرْدِيُّ، وَهَكَذَا الطَّعَامُ كُلُّهُ إذَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَعْطَاهُ غَيْرَ شَرْطِهِ، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَكَذَا الْعَسَلُ، وَلاَ يُسْتَغْنَى فِي الْعَسَلِ عَنْ أَنْ يَصِفَهُ بِبَيَاضٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ خُضْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَايَنُ فِي أَلْوَانِهِ فِي الْقِيمَةِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ لَوْنٌ يَتَبَايَنُ بِهِ مَا خَالَفَ لَوْنَهُ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَلَوْ سَلَّفَ رَجُلٌ رَجُلاً عَرَضًا فِي فِضَّةٍ بَيْضَاءَ جَيِّدَةٍ فَجَاءَ بِفِضَّةٍ بَيْضَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ أَدْنَى اسْمِ الْجَوْدَةِ أَوْ سَلَّفَهُ عَرَضًا فِي ذَهَبٍ أَحْمَرَ جَيِّدٍ فَجَاءَ بِذَهَبٍ أَحْمَرَ أَكْثَرَ مِنْ أَدْنَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ أَدْنَى اسْمِ الْجَوْدَةِ لَزِمَهُ، وَكَذَا لَوْ سَلَّفَهُ فِي صُفْرٍ أَحْمَرَ جَيِّدٍ فَجَاءَهُ بِأَحْمَرَ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ أَقَلُّ اسْمِ الْجَوْدَةِ لَزِمَهُ‏.‏ وَلَكِنْ لَوْ سَلَّفَهُ فِي صُفْرٍ أَحْمَرَ فَأَعْطَاهُ أَبْيَضَ وَالْأَبْيَضُ يَصْلُحُ لِمَا لاَ يَصْلُحُ لَهُ الْأَحْمَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا اخْتَلَفَ اللَّوْنَانِ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ أَحَدُ اللَّوْنَيْنِ، وَلاَ يَصْلُحُ لَهُ الْآخَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمُشْتَرَى إلَّا مَا يَلْزَمُهُ اسْمُ الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِيمَا تَتَبَايَنُ فِيهِ الْأَثْمَانُ بِالْأَلْوَانِ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ إلَّا مَا يَلْزَمُهُ بِصِفَةِ مَا سَلَّفَ فِيهِ فَأَمَّا مَا لاَ تَتَبَايَنُ فِيهِ بِالْأَلْوَانِ مِمَّا لاَ يَصْلُحُ لَهُ الْمُشْتَرَى فَلاَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَغْنَى فِيهِ مِنْ الْآخَرِ، وَلاَ أَكْثَرَ ثَمَنًا، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ لِاسْمِهِ فَلاَ أَنْظُرُ فِيهِ إلَى الْأَلْوَانِ‏.‏

باب مَا يَلْزَمُ فِي السَّلَفِ مِمَّا يُخَالِفُ الصِّفَةَ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ سَلَّفَهُ فِي ثَوْبٍ مَرْوِيٍّ ثَخِينٍ فَجَاءَ بِرَقِيقٍ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ ثَخِينٍ لَمْ أُلْزِمْهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الثَّخِينَ يُدَفِّئُ أَكْثَرَ مِمَّا يُدَفِّئُ الرَّقِيقُ وَرُبَّمَا كَانَ أَكْثَرَ بَقَاءً مِنْ الرَّقِيقِ؛ وَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصِفَتِهِ خَارِجٌ مِنْهَا قَالَ‏:‏ وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّفَهُ فِي عَبْدٍ بِصِفَةٍ، وَقَالَ وَضِيءٌ فَجَاءَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ صِفَتِهِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ وَضِيءٍ لَمْ أُلْزِمْهُ إيَّاهُ؛ لِمُبَايَنَتِهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَضِيءٍ وَخُرُوجُهُ مِنْ الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّفَهُ فِي عَبْدٍ بِصِفَةٍ فَقَالَ غَلِيظٌ شَدِيدُ الْخَلْقِ فَجَاءَ بِوَضِيءٍ لَيْسَ بِشَدِيدِ الْخَلْقِ أَكْثَرَ مِنْهُ ثَمَنًا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الشَّدِيدَ يُغْنِي غَيْرَ غَنَاءِ الْوَضِيءِ وَلِلْوَضِيءِ ثَمَنٌ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَلاَ أُلْزِمُهُ أَبَدًا خَيْرًا مِنْ شَرْطِهِ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَظِمًا لِصِفَتِهِ زَائِدًا عَلَيْهَا‏.‏ فَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الْقِيمَةِ، وَقَصُرَ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ كَانَ هَذَا خَارِجًا مِنْهَا بِالصِّفَةِ فَلاَ أُلْزِمُهُ إلَّا مَا شَرَطَ فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ‏.‏

باب مَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَفُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَلاَ يَجُوزُ السَّلَفُ فِي حِنْطَةِ أَرْضِ رَجُلٍ بِعَيْنِهَا بِصِفَةٍ؛ لِأَنَّ الْآفَةَ قَدْ تُصِيبُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ السَّلَفُ فَلاَ يَلْزَمُ الْبَائِعَ أَنْ يُعْطِيَهُ صِفَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ، وَقَعَ عَلَيْهَا وَيَكُونُ قَدْ انْتَفَعَ بِمَالِهِ فِي أَمْرٍ لاَ يَلْزَمُهُ وَالْبَيْعُ ضَرْبَانِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا بَيْعُ عَيْنٍ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ وَبَيْعُ صِفَةٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ غَيْرِ أَجَلٍ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْبَائِعِ فَإِذَا بَاعَهُ صِفَةً مِنْ عَرَضٍ بِحَالٍّ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ قَالَ‏:‏ وَإِذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْبُيُوعِ الَّتِي أَجَزْت كَانَ بَيْعُ مَا لاَ يَعْرِفُ أَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَكَذَا ثَمَرُ حَائِطِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَنِتَاجُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَقَرْيَةٌ بِعَيْنِهَا غَيْرِ مَأْمُونَةٍ وَنَسْلُ مَاشِيَةٍ بِعَيْنِهَا فَإِذَا شَرَطَ الْمُسَلِّفُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مَأْمُونًا أَنْ يَنْقَطِعَ أَصْلُهُ لاَ يَخْتَلِفُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ جَازَ، وَإِذَا شَرَطَ الشَّيْءَ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنْ لاَ يُؤْمَنَ انْقِطَاعُ أَصْلِهِ لَمْ يَجُزْ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَفَهُ فِي لَبَنِ مَاشِيَةِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَبِكَيْلٍ مَعْلُومٍ وَصِفَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخَذَ فِي كَيْلِهِ وَحَلْبِهِ مِنْ سَاعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْآفَةَ قَدْ تَأْتِي عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَسْلَفَ فِيهِ، وَلاَ نُجِيزُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إلَّا كَمَا وَصَفْت لَك فِي أَنْ يَكُونَ بَيْعَ عَيْنٍ لاَ يَضْمَنُ صَاحِبُهَا شَيْئًا غَيْرَهَا إنْ هَلَكَتْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ أَوْ بَيْعُ صِفَةٍ مَأْمُونَةٍ أَنْ تَنْقَطِعَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فِي حِينِ مَحِلِّهِ‏.‏ فَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ يَنْقَطِعُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَالسَّلَفُ فِيهِ فَاسِدٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَاسِدًا، وَقَبَضَهُ رَدَّهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ رَدَّ مِثْلَهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَرَجَعَ بِرَأْسِ مَالِهِ فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ‏.‏

باب اخْتِلاَفِ الْمُسَلِّفِ وَالْمُسَلَّفِ فِي السَّلَمِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُسَلِّفُ وَالْمُسَلَّفُ فِي السَّلَمِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَسْلَفْتُك مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَتَيْ صَاعِ حِنْطَةٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ أَسْلَفْتَنِي مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ أُحْلِفَ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِالْمِائَةِ الَّتِي قَبَضَ مِنْهُ إلَّا مِائَةَ صَاعٍ فَإِذَا حَلَفَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي إنْ شِئْت فَلَكَ عَلَيْهِ الْمِائَةُ الصَّاعِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا، وَإِنْ شِئْت فَاحْلِفْ مَا ابْتَعْت مِنْهُ مِائَةَ صَاعٍ، وَقَدْ كَانَ بَيْعُك مِائَتَيْ صَاعٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَيْك أَنَّهُ مَلَكَ عَلَيْك الْمِائَةَ الدِّينَارِ بِالْمِائَةِ الصَّاعِ وَأَنْتَ مُنْكِرٌ‏؟‏ فَإِنْ حَلَفَ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِيمَا اشْتَرَى مِنْهُ فَقَالَ‏:‏ أَسْلَفْتُك مِائَتَيْ دِينَارٍ فِي مِائَةِ صَاعٍ تَمْرًا، وَقَالَ‏:‏ بَلْ أَسْلَفْتَنِي فِي مِائَةِ صَاعٍ ذُرَةً أَوْ قَالَ أَسْلَفْتُك فِي مِائَةِ صَاعٍ بَرْدِيًّا، وَقَالَ بَلْ أَسْلَفْتَنِي فِي مِائَةِ صَاعٍ عَجْوَةً أَوْ قَالَ أَسْلَفْتُك فِي سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَسْلَفْتَنِي فِي سِلْعَةٍ غَيْرِ مَوْصُوفَةٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت لَك يَحْلِفُ الْبَائِعُ ثُمَّ يُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا أَقَرَّ لَهُ الْبَائِعُ بِلاَ يَمِينٍ أَوْ يَحْلِفَ فَيَبْرَأُ مِنْ دَعْوَى الْبَائِعِ وَيَتَفَاسَخَانِ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ إنْ أَخَذَهُ الْمُبْتَاعُ، وَقَدْ نَاكَرَهُ الْبَائِعُ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُبْتَاعُ ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ‏:‏ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِلَّا فَلاَ يَحِلُّ لَهُ إذَا أَنْكَرَهُ، وَالسَّلَفُ يَنْفَسِخُ بَعْدَ أَنْ يَتَصَالَحَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَادَقَا فِي السِّلْعَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ فَقَالَ الْمُسَلَّفُ هُوَ إلَى سَنَةٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ هُوَ إلَى سَنَتَيْنِ حَلَفَ الْبَائِعُ وَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ رَضِيَ، وَإِلَّا حَلَفَ وَتَفَاسَخَا فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي هَذَا كُلِّهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ رَدَّ مِثْلَهَا أَوْ طَعَامًا رَدَّ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَدَّ قِيمَتَهُ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ سَلَّفَهُ سِلْعَةً غَيْرَ مَكِيلَةٍ، وَلاَ مَوْزُونَةٍ فَفَاتَتْ رَدَّ قِيمَتَهَا قَالَ‏:‏ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الْأَجَلِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك عَبْدًا بِأَلْفٍ وَاسْتَهْلَكْت الْعَبْدَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته مِنْك بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَدْ هَلَكَ الْعَبْدُ تَحَالَفَا وَرَدَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَكَذَا كُلُّ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ مِنْ كَيْلٍ وَجَوْدَةٍ وَأَجَلٍ قَالَ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى الْبَيْعِ وَالْأَجَلِ فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ يَمْضِ مِنْ الْأَجَلِ شَيْءٌ أَوْ قَالَ مَضَى مِنْهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ قَدْ مَضَى كُلُّهُ أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَلاَ يَنْفَسِخُ بَيْعُهُمَا فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ تَصَادُقِهِمَا عَلَى الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرَى وَالْأَجَلِ فَأَمَّا مَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت إلَى شَهْرٍ وَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُك إلَى شَهْرَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلاَفِهِمَا فِيمَا يَفْسَخُ الْعُقْدَةَ وَالْأَوَّلاَنِ لَمْ يَخْتَلِفَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَرَجُلٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلاً سَنَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ الْأَجِيرُ‏:‏ قَدْ مَضَتْ، وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ‏:‏ لَمْ تَمْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ وَعَلَى الْأَجِيرِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِشَيْءٍ يَدَّعِي الْمَخْرَجَ مِنْهُ‏.‏

باب السَّلَفِ فِي السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَلَوْ سَلَّفَ رَجُلٌ رَجُلاً مِائَةَ دِينَارٍ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَقْبِضَ السِّلْعَةَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ السَّلَفُ فَاسِدًا، وَلاَ تَجُوزُ بُيُوعُ الْأَعْيَانِ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى بَائِعِهَا بِكُلِّ حَالٍّ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ فَوْتِهَا، وَلاَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ لِصَاحِبِهَا السَّبِيلُ عَلَى أَخْذِهَا مَتَى شَاءَ هُوَ لاَ يَحُولُ بَائِعُهَا دُونَهَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا، وَكَانَ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ قَلَّ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي قَدْ اشْتَرَى غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْبَائِعِ بِصِفَةٍ مَوْجُودَةٍ بِكُلِّ حَالٍ يُكَلِّفُهَا بَائِعُهَا، وَلاَ مَلَّكَهُ الْبَائِعُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ يَتَسَلَّطُ عَلَى قَبْضِهِ حِينَ وَجَبَ لَهُ، وَقَدَرَ عَلَى قَبْضِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَذَلِكَ لاَ يَتَكَارَى مِنْهُ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا مُعَجَّلَةَ الْكِرَاءِ عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ وَيُصِيبُهَا مَا لاَ يَكُونُ فِيهَا رُكُوبٌ مَعَهُ، وَلَكِنْ يُسَلِّفُهُ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ لَهُ حُمُولَةً مَعْرُوفَةً وَبُيُوعُ الْأَعْيَانِ لاَ تَصْلُحُ إلَى أَجَلٍ إنَّمَا الْمُؤَجَّلُ مَا ضَمِنَ مِنْ الْبُيُوعِ بِصِفَةٍ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُك جَارِيَتِي هَذِهِ بِعَبْدِك هَذَا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ عَبْدَك بَعْدَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْرُبُ وَيَتْلَفُ وَيَنْقُصُ إلَى شَهْرٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفَسَادُ هَذَا خُرُوجُهُ مِنْ بَيْعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا وَصَفْت وَأَنَّ الثَّمَنَ فِيهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ تَرَكَ قَبْضَهُ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحُولَ دُونَهُ قَالَ‏:‏ وَلاَ بَأْسَ أَنْ أَبِيعَك عَبْدِي هَذَا أَوْ أَدْفَعَهُ إلَيْك بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ بَعِيرَيْنِ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ خَشَبَتَيْنِ إذَا كَانَ ذَلِكَ مَوْصُوفًا مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ حَقِّي فِي صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي لاَ فِي عَيْنٍ تَتْلَفُ أَوْ تَنْقُصُ أَوْ تَفُوتُ فَلاَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ‏.‏

باب امْتِنَاعِ ذِي الْحَقِّ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا حَلَّ حَقُّ الْمُسَلِّمِ وَحَقُّهُ حَالٌّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَدَعَا الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ فَامْتَنَعَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فَعَلَى الْوَالِي جَبْرُهُ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ لِيَبْرَأَ ذُو الدَّيْنِ مِنْ دَيْنِهِ وَيُؤَدِّيَ إلَيْهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ لَهُ بِالْأَدَاءِ شَيْئًا، وَلاَ مُدْخِلَ عَلَيْهِ ضَرَرًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْحَقِّ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ حَقِّهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَيَبْرَأُ بِإِبْرَائِهِ إيَّاهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ دَعَاهُ إلَى أَخْذِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَكَانَ حَقُّهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ نُحَاسًا أَوْ تِبْرًا أَوْ عَرَضًا غَيْرَ مَأْكُولٍ، وَلاَ مَشْرُوبٍ، وَلاَ ذِي رُوحٍ يَحْتَاجُ إلَى الْعَلَفِ أَوْ النَّفَقَةِ جَبَرْتُهُ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ وَزِيَادَةِ تَعْجِيلِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَلَسْتُ أَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى تَغَيُّرِ قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَ يَكُونُ فِي وَقْتِهِ أَكْثَرَ قِيمَةً أَوْ أَقَلَّ قُلْت لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ‏:‏ إنْ شِئْت حَبَسْته، وَقَدْ يَكُونُ فِي وَقْتِ أَجَلِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ حِينَ يَدْفَعُهُ وَأَقَلَّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت‏؟‏ قُلْت أُخْبِرْنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَاتَبَ غُلاَمًا لَهُ عَلَى نُجُومٍ إلَى أَجَلٍ فَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ تَعْجِيلَهَا لِيُعْتَقَ فَامْتَنَعَ أَنَسٌ مِنْ قَبُولِهَا، وَقَالَ لاَ آخُذُهَا إلَّا عِنْدَ مَحِلِّهَا فَأَتَى الْمُكَاتَبُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ إنَّ أَنَسًا يُرِيدُ الْمِيرَاثَ فَكَانَ فِي الْحَدِيثِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بِأَخْذِهَا مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهُوَ يُشْبِهُ الْقِيَاسَ‏.‏

قال‏:‏ وَإِنْ كَانَ مَا سَلَّفَ فِيهِ مَأْكُولاً أَوْ مَشْرُوبًا لاَ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ جَدِيدًا فِي وَقْتِهِ الَّذِي سَلَّفَ إلَيْهِ فَإِنْ عَجَّلَهُ تَرَكَ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ مُتَغَيِّرٌ بِالْقِدَمِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَ أَكْلَهُ أَوْ شُرْبَهُ فِيهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا لاَ غَنَاءَ بِهِ عَنْ الْعَلَفِ أَوْ الرَّعْيِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ مُؤْنَةُ الْعَلَفِ أَوْ الرَّعْيِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى وَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُؤْنَةٍ، وَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالتِّبْرِ كُلِّهِ، وَالثِّيَابِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا دَفَعَهُ بَرِئَ مِنْهُ وَجُبِرَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ الَّذِي هُوَ لَهُ عَلَيْهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ لاَ أَعْلَمُهُ يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ مَا وَصَفْت أَوْ أَنْ يُقَالَ لاَ يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ هُوَ لَهُ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى دِينَارٍ، وَلاَ دِرْهَمٍ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لاَ حِرْزَ لَهُ، وَيَكُونُ مُتْلِفًا لِمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ فَيَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى مَلِيءٍ مِنْ أَنْ يَصِيرَ إلَيْهِ فَيَتْلَفُ مِنْ يَدَيْهِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا مَا ذَكَرْتُ‏.‏ وَمِنْهَا أَنْ يَتَقَاضَاهُ ذُو دَيْنٍ أَوْ يَسْأَلَهُ ذُو رَحِمٍ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا صَارَ إلَيْهِ لَمْ يَتَقَاضَاهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ فَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ هَذَا أَنَّا لَمْ نَرَ أَحَدًا خَالَفَ فِي أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَمُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَدْفَعُونَ مَالَهُ إلَى غُرَمَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوهُ لِئَلَّا يَحْبِسُوا مِيرَاثَ الْوَرَثَةِ وَوَصِيَّةَ الْمُوصِي لَهُمْ وَيَجْبُرُونَهُمْ عَلَى أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَهُمْ وَالسَّلَفُ يُخَالِفُ دَيْنَ الْمَيِّتِ فِي بَعْضِ هَذَا‏.‏

باب السَّلَفِ فِي الرُّطَبِ فَيَنْفَدُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ إذَا سَلَّفَ رَجُلٌ رَجُلاً فِي رُطَبٍ أَوْ عِنَبٍ إلَى أَجَلٍ يَطِيبَانِ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ نَفِدَ الرُّطَبُ أَوْ الْعِنَبُ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ بِالْبَلَدِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ الْمُسَلِّفُ بِالْخِيَارِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِمَا بَقِيَ مِنْ سَلَفِهِ كَأَنْ سَلَّفَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي مِائَةِ مُدٍّ فَأَخَذَ خَمْسِينَ فَيَرْجِعُ بِخَمْسِينَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ إلَى رُطَبٍ قَابِلٍ ثُمَّ أَخَذَ بَيْعَهُ بِمِثْلِ صِفَةِ رُطَبِهِ، وَكَيْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ وَكُلُّ فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ تَنْفَدُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَهَذَا وَجْهٌ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَقَدْ قِيلَ إنْ سَلَّفَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي عَشْرَةِ آصُعَ مِنْ رُطَبٍ فَأَخَذَ خَمْسَةَ آصُعَ ثُمَّ نَفَذَ الرُّطَبُ كَانَتْ لَهُ الْخَمْسَةُ آصُعَ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهَا حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الرُّطَبِ فَرَدَّ إلَيْهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا مَذْهَبٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏ وَلَوْ سَلَّفَهُ فِي رُطَبٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بُسْرًا، وَلاَ مُخْتَلِفًا، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ رُطَبًا كُلَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا صِحَاحًا غَيْرَ مُنْشَدِخٍ، وَلاَ مَعِيبٍ بِعَفَنٍ، وَلاَ عَطَشٍ، وَلاَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ لاَ يَأْخُذُهُ إلَّا نَضِيجًا غَيْرَ مَعِيبٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ يُسَلِّفُ فِيهَا فَلاَ يَأْخُذُ إلَّا صِفَتَهُ غَيْرَ مَعِيبَةٍ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ أَسْلَفَهُ فِيهِ لَمْ يَأْخُذْهُ مَعِيبًا إنْ أَسْلَفَ فِي لَبَنٍ مَخِيضٍ لَمْ يَأْخُذْهُ رَائِبًا، وَلاَ مَخِيضًا وَفِي الْمَخِيضِ مَاءٌ لاَ يَعْرِفُ قَدْرَهُ وَالْمَاءُ غَيْرُ اللَّبَنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ أَسْلَفَهُ فِي شَيْءٍ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ مَعِيبًا وَالْعَيْبُ مِمَّا قَدْ يَخْفَى فَأَكَلَ نِصْفَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ كَأَنْ كَانَ رُطَبًا فَأَكَلَ نِصْفَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ يَأْخُذُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ مَا بَيْنَ الرُّطَبِ مَعِيبًا وَغَيْرَ مَعِيبٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ وَالْمُشْتَرَى قَائِمٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَسْتَهْلِكْهُ فَقَالَ‏:‏ دَفَعْته إلَيْك بَرِيئًا مِنْ الْعَيْبِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي‏:‏ بَلْ دَفَعْته مَعِيبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ عَيْبٌ لاَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَتْلَفَهُ فَقَالَ الْبَائِعُ مَا أَتْلَفْت مِنْهُ غَيْرَ مَعِيبٍ، وَمَا بَقِيَ مَعِيبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا لاَ يَفْسُدُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِفَسَادِهِ كُلِّهِ كَبِطِّيخَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ دُبَّاءَةٍ وَاحِدَةٍ‏.‏ وَكُلُّ مَا قُلْت الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْيَمِينُ‏.‏

كِتَابُ الرَّهْنِ الْكَبِيرِ

إبَاحَةُ الرَّهْنِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ‏}‏، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ‏}‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَكَانَ بَيِّنًا فِي الآيَةِ الْأَمْرُ بِالْكِتَابِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَذَكَرَ اللَّهُ- تَبَارَكَ اسْمَهُ- الرَّهْنَ إذَا كَانُوا مُسَافِرِينَ، وَلَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا فَكَانَ مَعْقُولاً- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- فِيهَا‏:‏ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْكِتَابِ وَالرَّهْنِ احْتِيَاطًا لِمَالِكِ الْحَقِّ بِالْوَثِيقَةِ وَالْمَمْلُوكُ عَلَيْهِ بِأَنْ لاَ يَنْسَى وَيَذْكُرَ لاَ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكْتُبُوا، وَلاَ أَنْ يَأْخُذُوا رَهْنًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ‏}‏ فَكَانَ مَعْقُولاً أَنَّ الْوَثِيقَةَ فِي الْحَقِّ فِي السَّفَرِ وَالْإِعْوَازِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- فِي الْحَضَرِ وَغَيْرِ الْإِعْوَازِ، وَلاَ بَأْسَ بِالرَّهْنِ فِي الْحَقِّ الْحَالِّ وَالدَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا قُلْت مِنْ هَذَا مِمَّا لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا‏.‏ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهَنَ دِرْعَهُ فِي الْحَضَرِ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ، وَقِيلَ فِي سَلَفٍ وَالسَّلَفُ حَالٌّ قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام قَالَ‏:‏ رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَأَذِنَ اللَّهُ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- بِالرَّهْنِ فِي الدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ حَقٌّ لاَزِمٌ فَكُلُّ حَقٍّ مِمَّا يَمْلِكُ أَوْ لَزِمَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ جَازَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَلاَ يَجُوزُ الرَّهْنُ فِيمَا لاَ يَلْزَمُ‏.‏ فَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَهُ وَصَالَحَهُ وَرَهَنَهُ بِهِ رَهْنًا كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَلَوْ قَالَ أَرْهَنُك دَارِي عَلَى شَيْءٍ إذَا دَايَنْتَنِي بِهِ أَوْ بَايَعْتَنِي ثُمَّ دَايَنَهُ أَوْ بَايَعَهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ كَانَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ حَقٌّ، وَإِذْنُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِيمَا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ الْحَقِّ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنْ لاَ يَجُوزَ إلَّا بَعْدَ لُزُومِ الْحَقِّ أَوْ مَعَهُ فَأَمَّا قَبْلَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَقٌّ فَلاَ رَهْنَ‏.‏

باب مَا يَتِمُّ بِهِ الرَّهْنُ مِنْ الْقَبْضِ

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ‏}‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَلَمَّا كَانَ مَعْقُولاً أَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ مَمْلُوكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ مِلْكَ الْبَيْعِ، وَلاَ مَمْلُوكِ الْمَنْفَعَةِ لَهُ مِلْكَ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا إلَّا بِمَا أَجَازَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فَلِلرَّاهِنِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى رَجَعَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِأَمْرَيْنِ فَلَيْسَ يَتِمُّ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مِثْلَ الْهِبَاتِ الَّتِي لاَ تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً، وَمَا فِي مَعْنَاهَا‏.‏ وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وَكَانَ هُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ أُسْوَةً سَوَاءً، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الرَّاهِنُ، وَلَكِنَّهُ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ أُسْوَةً؛ لِأَنَّهُ لاَ يَتِمُّ لَهُ، وَلَوْ خَرِسَ الرَّاهِنُ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَلاَ سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وَلَوْ أَقْبَضَهُ الرَّاهِنُ إيَّاهُ فِي حَالِ ذَهَابِ عَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ قَبْضٌ حَتَّى يَكُونَ جَائِزَ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ يَوْمَ رَهَنَهُ وَيَوْمَ يُقَبِّضُهُ الرَّاهِنُ إيَّاهُ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ، وَهُوَ مَحْجُورٌ ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ فَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يُجَدِّدَ لَهُ رَهْنًا وَيُقَبِّضَهُ إيَّاهُ بَعْدَ أَنْ يُفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حُجِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْهُ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى هَرَبَ الْعَبْدُ وَسَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ الرَّاهِنُ أَوْ يُفْلِسَ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَبْضِهِ حَتَّى رَجَعَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ لَهُ قَبْضُهُ، وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَارْتَدَّ الْعَبْدُ عَنْ الْإِسْلاَمِ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ مُرْتَدًّا أَوْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ غَيْرَ مُرْتَدٍّ فَارْتَدَّ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ إنْ تَابَ فَهُوَ رَهْنٌ، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ قُتِلَ بِحَقٍّ لَزِمَهُ وَخَرَجَ مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا، وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى رَهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ كَانَ الرَّهْنُ لِلثَّانِي الَّذِي أَقْبَضَهُ صَحِيحًا، وَالرَّهْنُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ كَمَا لَمْ يَكُنْ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَعْتَقَهُ كَانَ حُرًّا خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى كَاتَبَهُ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَصْدَقَهُ امْرَأَةً أَوْ أَقَرَّ بِهِ لِرَجُلٍ أَوْ دَبَّرَهُ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ فِي هَذَا كُلِّهِ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى دَبَّرَهُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ بَعْدَمَا دَبَّرَهُ كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَمَا دَبَّرَهُ فَلَمَّا كَانَ لَهُ بَيْعُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً عَبْدًا، وَمَاتَ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ كَانَ لِرَبِّ الرَّهْنِ مَنْعُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لَهُمْ رَهْنًا، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْمُرْتَهِنُ، وَلَكِنَّهُ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَوَلَّى الْحَاكِمُ مَالَهُ رَجُلاً فَإِنْ شَاءَ الرَّاهِنُ مَنَعَهُ الرَّجُلَ الْمُوَلَّى؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ الْمُرْتَهِنَ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لَهُ بِالرَّهْنِ الْأَوَّلِ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَمْنَعَهُ إيَّاهُ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً جَارِيَةً فَلَمْ يُقْبِضْهُ إيَّاهَا حَتَّى وَطِئَهَا ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقْبَضْ حَتَّى حَبِلَتْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا حُبْلَى مِنْهُ‏.‏ وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الرَّهْنِ ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَأَقَرَّ بِهِ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قُبِضَتْ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهَا حَامِلاً، وَلَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى زَوَّجَهَا السَّيِّدُ ثُمَّ أَقْبَضَهُ إيَّاهَا فَالتَّزْوِيجُ جَائِزٌ، وَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَلاَ يُمْنَعُ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا بِحَالٍ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْجَارِيَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا وَيَمْنَعُ إذَا كَانَتْ حَامِلاً وَحَلَّ الْحَقُّ بَيْعَهَا، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَأَيُّهُمَا زُوِّجَ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً عَبْدًا وَسَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَآجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ ارْتَهَنْت عَبْدًا فَآجَرْته قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ قَالَ لَيْسَ بِمَقْبُوضٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ لَيْسَ الْإِجَارَةُ بِقَبْضٍ، وَلَيْسَ بِرَهْنٍ حَتَّى يُقْبَضَ، وَإِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِنَفْسِهِ أَوْ قَبَضَهُ لَهُ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ فَهُوَ قَبْضٌ كَقَبْضِ وَكِيلِهِ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ إذَا ارْتَهَنْت عَبْدًا فَوَضَعْته عَلَى يَدِ غَيْرِك فَهُوَ قَبْضٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا ارْتَهَنَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ لَهُ أَوْ الْحَاكِمُ لِلْمَحْجُورِ فَقَبْضُ الْحَاكِمِ، وَقَبْضُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ لِلْمَحْجُورِ كَقَبْضِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ قَبْضُ الْحَاكِمِ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَكَّلَ الْحَاكِمُ مَنْ قَبَضَ لِلْمَحْجُورِ أَوْ، وَكَّلَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ فَقَبْضُهُ لَهُ كَقَبْضِ الرَّجُلِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ وَلِلرَّاهِنِ مَنْعُ الْحَاكِمِ وَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ مِنْ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَقْبِضَاهُ وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَهُ وَرَهْنُهُمَا عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ لَهُ‏.‏ وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ لَهُمَا فَيَفْضُلُ وَيَرْتَهِنَ‏.‏ فَأَمَّا أَنْ يُسَلِّفَ مَالَهُمَا وَيَرْتَهِنَ فَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ فَضْلَ لَهُمَا فِي السَّلَفِ، وَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَظَرًا لَهُ كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلاَ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَظَرًا لَهُ‏.‏

قَبْضُ الرَّهْنِ، وَمَا يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِهِ مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَمَا لاَ يُخْرِجُهُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ‏}‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ إذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ تَمَّ وَصَارَ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غُرَمَاءِ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَبْرَأَ مِمَّا فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَقِّ كَمَا يَكُونُ الْمَبِيعُ مَضْمُونًا مِنْ الْبَائِعِ فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مَرَّةً صَارَ فِي ضَمَانِهِ فَإِنْ رَدَّهُ إلَى الْبَائِعِ بِإِجَارَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ، وَلاَ يَنْفَسِخُ ضَمَانُهُ بِالْبَيْعِ، وَكَمَا تَكُونُ الْهِبَاتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا غَيْرَ تَامَّةٍ فَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مَرَّةً ثُمَّ أَعَارَهَا إلَى الْوَاهِبِ أَوْ أَكْرَاهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ الْهِبَةِ‏.‏ وَسَوَاءٌ إذًا قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ مَرَّةً، وَرَدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْسَخْ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ؛ لِمَا وَصَفْتُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ ارْتَهَنْت رَهْنًا فَقَبَضْته ثُمَّ آجَرْته مِنْهُ قَالَ نَعَمْ هُوَ عِنْدَك إلَّا أَنَّك آجَرْتَهُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ فَأَفْلَسَ فَوَجَدْته عِنْدَهُ‏؟‏ قَالَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ يَعْنِي لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّك إذَا قَبَضْته مَرَّةً ثُمَّ آجَرْته مِنْ رَاهِنِهِ فَهُوَ كَعَبْدٍ لَك آجَرْته مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بَعْدَ الْقَبْضِ لاَ يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ قَالَ‏:‏ وَلاَ يَكُونُ الرَّهْنُ مَقْبُوضًا إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ أَحَدٌ غَيْرُ الرَّاهِنِ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ فَيَكُونُ وَكِيلُهُ فِي قَبْضِهِ فَإِنْ ارْتَهَنَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا وَوَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَبَضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا، وَلاَ يَكُونُ وَكِيلاً عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ فِي قَبْضٍ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَوَكَّلَهُ بِأَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَفَعَلَ فَهَلَكَ لَمْ يَكُنْ بَرِيئًا مِنْ الْحَقِّ كَمَا يَبْرَأُ مِنْهُ لَوْ قَبَضَهُ وَكِيلٌ غَيْرُهُ، وَلاَ يَكُونُ وَكِيلاً عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالٍ إلَّا الْحَالَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا وَلِيًّا لِمَنْ قَبَضَ لَهُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ فَيَشْتَرِي لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقْبِضُ لَهُ أَوْ يَهَبُ لَهُ شَيْئًا وَيَقْبِضُهُ فَيَكُونُ قَبْضُهُ مِنْ نَفْسِهِ قَبْضًا لِابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ ابْنِهِ‏.‏ وَكَذَلِكَ إذَا رَهَنَ ابْنَهُ رَهْنًا فَقَبَضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ ابْنُهُ بَالِغًا غَيْرَ مَحْجُورٍ لَمْ يَجُزْ مِنْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ ابْنُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلٍ لِابْنِهِ غَيْرِ أَبِيهِ‏.‏ وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَدِيعَةً أَوْ دَارٌ أَوْ مَتَاعٌ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُ بِقَبْضِهِ فَجَاءَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَقْبِضَهُ، وَهُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ قَبْضٌ فَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ قَبَضَ الرَّهْنَ فَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ ادَّعَى قَبْضَهُ فَالرَّهْنُ مَقْبُوضٌ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الشُّهُودُ‏.‏ وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّهْنُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا إلَّا فِي خَصْلَةِ أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى أَمْرٍ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مَقْبُوضًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ رَهَنْتُهُ الْيَوْمَ دَارِي الَّتِي بِمِصْرَ، وَهُمَا بِمَكَّةَ، وَقَبَضَهَا فَيَعْلَمُ أَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَ الْيَوْمَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقْبَضَ لَهُ بِمَكَّةَ مِنْ يَوْمِهِ هَذَا، وَمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ وَدِيعَةٍ كَانَتْ كَهِيَ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ لاَ يَكُونُ قَبْضًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهَا مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِهِ بِالرَّهْنِ دُونَ الْكِرَاءِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الرَّهْنِ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَكَيْنُونَتُهَا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ الرَّهْنِ غَيْرُ كَيْنُونَتِهَا فِي يَدِهِ بِالرَّهْنِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ وَقْتًا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ رَهَنَهُ دَارِهِ بِمَكَّةَ، وَقَبَضَهَا ثُمَّ قَالَ الرَّاهِنُ إنَّمَا رَهَنْتُهُ الْيَوْمَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ رهنتنيها فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا قَابِضٌ بِأَمْرِهِ وَعَلِمَ الْقَبْضَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَبَدًا حَتَّى يُصَدِّقَ الرَّاهِنُ بِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا‏.‏ وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ أُحَلِّفَ لَهُ الْمُرْتَهِنَ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْقَبْضِ، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ فَعَلْتُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ رَهْنًا حَتَّى يَقْبِضَهُ‏.‏ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ‏.‏

مَا يَكُونُ قَبْضًا فِي الرَّهْنِ، وَلاَ يَكُونُ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ كُلُّ مَا كَانَ قَبْضًا فِي الْبُيُوعِ كَانَ قَبْضًا فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ لاَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْأَرْضِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَجُوزُ رَهْنُ الشِّقْصِ مِنْ الدَّارِ وَالشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ، وَمِنْ السَّيْفِ، وَمِنْ اللُّؤْلُؤَةِ، وَمِنْ الثَّوْبِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ هَذَا كُلُّهُ وَالْقَبْضُ فِيهِ أَنْ يُسَلَّمَ إلَى مُرْتَهِنِهِ لاَ حَائِلَ دُونَهُ كَمَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِي الْبَيْعِ قَبْضَ الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ مُرْتَهِنُهُ مِنْ يَدِ رَاهِنِهِ‏.‏ وَقَبْضُ مَا لاَ يَحُولُ مِنْ أَرْضٍ وَدَارٍ وَغِرَاسٍ أَنْ يُسَلَّمَ لاَ حَائِلَ دُونَهُ، وَقَبْضُ الشِّقْصِ مِمَّا لاَ يَحُولُ كَقَبْضِ الْكُلِّ أَنْ يُسَلَّمَ لاَ حَائِلَ دُونَهُ، وَقَبْضُ الشِّقْصِ مِمَّا يَحُولُ مِثْلُ السَّيْفِ وَاللُّؤْلُؤَةِ، وَمَا أَشْبَهُهُمَا أَنْ يُسَلَّمَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهَا حَقُّهُ حَتَّى يَضَعَهَا الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ أَوْ فِي يَدِ الشَّرِيكِ فِيهَا الَّذِي لَيْسَ بِرَاهِنٍ أَوْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ هَذَا فَهُوَ قَبْضٌ، وَإِنْ صَيَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لَهَا مِنْ الرَّهْنِ كَمَا وَصَفْت لاَ يُخْرِجُهَا إلَّا فَسْخُ الرَّهْنِ أَوْ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ‏.‏ وَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ قَبَضَ الرَّهْنَ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ حُكِمَ لَهُ بِأَنَّ الرَّهْنَ تَامٌّ بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ وَدَعْوَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي الشِّقْصِ غَائِبًا فَأَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ قَبَضَ الرَّهْنَ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ أَجَزْتُ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَبِّضُ لَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ فَيَكُونُ قَدْ قَبَضَهُ بِقَبْضِ مَنْ أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ لَهُ‏.‏ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ وَأَمَرَهُ بِقَبْضِهِ كَانَ هَذَا رَهْنًا إذَا جَاءَتْ عَلَيْهِ سَاعَةٌ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إيَّاهُ، وَهُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي يَدِهِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ غَائِبًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا حَتَّى يُحْضِرَهُ فَإِذَا أَحْضَرَهُ بَعْدَمَا أُذِنَ لَهُ بِقَبْضِهِ فَهُوَ مَقْبُوضٌ كَمَا يَبِيعُهُ إيَّاهُ، وَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَأْمُرُهُ بِقَبْضِهِ فَيَقْبِضُهُ بِأَنَّهُ فِي يَدَيْهِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ تَامًّا، وَلَوْ مَاتَ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ مَقْبُوضًا بَعْدَ حُضُورِهِ، وَهُوَ فِي يَدَيْهِ‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ ثِيَابٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا لاَ يَزُولُ بِنَفْسِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ بِإِجَارَةٍ فَرَهَنَهُ إيَّاهَا، وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهِيَ غَيْرُ غَائِبَةٍ عَنْ مَنْزِلِهِ كَانَ هَذَا قَبْضًا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْضًا حَتَّى يَحْدُثَ لَهَا قَبْضًا، وَإِنْ كَانَ رَهَنَهُ إيَّاهَا فِي سُوقٍ أَوْ مَسْجِدٍ، وَهِيَ فِي مَنْزِلِهِ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا لَمْ يَكُنْ قَبْضًا حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَهِيَ فِيهِ فَيَكُونُ لَهَا حِينَئِذٍ قَابِضًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِخِلاَفِهِ إلَى سَيِّدِهَا وَغَيْرِهِ، وَلاَ يَكُونُ الْقَبْضُ إلَّا مَا حَضَرَهُ الْمُرْتَهِنُ لاَ حَائِلَ دُونَهُ أَوْ حَضَرَهُ وَكِيلُهُ كَذَلِكَ‏.‏ وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا أَوْ دَارًا غَائِبَةً عَنْ الْمُرْتَهِنِ، وَهِيَ وَدِيعَةٌ فِي يَدَيْهِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُحْضِرَهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ مُسَلَّمَةً لاَ حَائِلَ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ غَائِبَةً عَنْهُ فَقَدْ يَحْدُثُ لَهَا مَانِعٌ مِنْهُ فَلاَ تَكُونُ مَقْبُوضَةً أَبَدًا إلَّا بِأَنْ يُحْضِرَهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ لاَ حَائِلَ دُونَهَا، وَلَوْ جَاءَتْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْعَثَ رَسُولاً إلَى الرَّهْنِ حَيْثُ كَانَ يَقْبِضُهُ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ قَبَضَهُ كَانَ مَقْبُوضًا؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ لَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا وَتَرَاضَى الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِعَدْلٍ يَضَعَانِهِ عَلَى يَدَيْهِ فَقَالَ الْعَدْلُ قَدْ قَبَضْته لَك ثُمَّ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ لَمْ يُقْبِضْهُ لَك الْعَدْلُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ قَبَضَهُ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعَدْلَ قَدْ قَبَضَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ فِيهِ، وَلاَ أَقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلاَ يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ بِغَرُورِهِ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ أَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ الَّذِي ارْتَهَنَهُ فَقَالَ قَبَضْته، وَلَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا، وَقَدْ أَسَاءَ فِي كَذِبِهِ‏.‏ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا ذَكَرْت مِنْ الرَّهْنِ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِغَصْبِ الرَّاهِنِ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُهُ مِنْهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ فَقَبَضَهُ كَانَ رَهْنًا، وَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ بِالْغَصْبِ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَى الْمَغْصُوبِ فَيَبْرَأُ أَوْ يُبْرِئُهُ الْمَغْصُوبُ مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ، وَلاَ يَكُونُ أَمْرُهُ لَهُ بِالْقَبْضِ لِنَفْسِهِ بَرَاءَةً مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي يَدَيْهِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً لِرَبِّ الْمَالِ فِي شَيْءٍ عَلَى نَفْسِهِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ حَقًّا فَقَبَضَهُ، وَهَلَكَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهُ وَتَوَاضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ كَانَ الْغَاصِبُ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا بَرِيئَيْنِ مِنْ الضَّمَانِ بِإِقْرَارِ وَكِيلِ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ بِأَمْرِ رَبِّ الْعَبْدِ، وَكَانَ كَإِقْرَارِ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ، وَكَانَ رَهْنًا مَقْبُوضًا‏؟‏ وَلَوْ قَالَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْ قَبَضْته‏:‏ لَمْ أَقْبِضْهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْغَاصِبِ، وَلاَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، وَكَانَ بَرِيئًا مِنْ الضَّمَانِ كَمَا يَبْرَأُ لَوْ قَالَ رَبُّ الْعَبْدِ‏:‏ قَدْ قَبَضْته مِنْهُ، وَكَانَ مَقْبُوضًا بِإِقْرَارِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ أَنَّهُ قَبَضَهُ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدًا وَطَعَامًا أَوْ عَبْدًا وَدَارًا أَوْ دَارَيْنِ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَقْبِضْ الْآخَرُ كَانَ الَّذِي قَبَضَ رَهْنًا بِجَمِيعِ الْحَقِّ، وَكَانَ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يُقَبِّضَهُ إيَّاهُ الرَّاهِنُ، وَلاَ يَفْسُدُ الَّذِي قَبَضَ بِأَنْ لَمْ يَقْبِضْ الَّذِي مَعَهُ فِي عُقْدَةِ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ كَالْبُيُوعِ فِي هَذَا‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ الْآخَرُ أَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا، وَمَنَعَهُ الْآخَرُ كَانَ الَّذِي قَبَضَ رَهْنًا وَاَلَّذِي لَمْ يَقْبِضْ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لَهُ دَارَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ دَارًا وَعَبْدًا فَأَقْبَضَهُ أَحَدَهُمَا، وَمَنَعَهُ الْآخَرَ كَانَ لَهُ الَّذِي قَبَضَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الَّذِي مَنَعَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَلَكِنَّهُ غَابَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا لَمْ تَكُنْ الْهِبَةُ فِي الْغَائِبِ تَامَّةً حَتَّى يُسَلِّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَيَقْبِضُهُ بِأَمْرِهِ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَهُ رَهْنًا فَأَصَابَ الرَّهْنَ عَيْبٌ إمَّا كَانَ عَبْدًا فَاعْوَرَّ أَوْ قُطِعَ أَوْ أَيُّ عَيْبٍ أَصَابَهُ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ فَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ ذَلِكَ الْعَيْبُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَارًا فَانْهَدَمَتْ أَوْ حَائِطًا فَتَقَعَّرَ نَخْلُهُ وَشَجَرُهُ وَانْهَدَمَتْ عَيْنُهُ كَانَ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الرَّاهِنِ مِنْ بَيْعِ خَشَبِ نَخْلِهِ وَبَيْعِ بِنَاءِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ‏.‏ إلَّا أَنْ يَكُونَ ارْتَهَنَ الْأَرْضَ دُونَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فَلاَ يَكُونُ لَهُ مَنْعُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي رَهْنِهِ، وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضَ الدَّارِ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الْبِنَاءَ فِي الرَّهْنِ أَوْ حَائِطًا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الْغِرَاسَ فِي الرَّهْنِ كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ رَهْنًا دُونَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا مَا سُمِّيَ دَاخِلاً فِيهِ، وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك بِنَاءَ الدَّارِ كَانَتْ الدَّارُ لَهُ رَهْنًا دُونَ أَرْضِهَا، وَلاَ يَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ حَتَّى يَقُولَ رَهَنْتُك أَرْضَ الدَّارِ وَبِنَاءَهَا وَجَمِيعَ عِمَارَتِهَا‏.‏ وَلَوْ قَالَ‏:‏ رَهَنْتُك نَخْلِي كَانَتْ النَّخْلُ رَهْنًا، وَلَمْ يَكُنْ مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَرْضِ، وَلاَ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا رَهْنًا حَتَّى يَكْتُبَ‏:‏ رَهَنْتُك حَائِطِي بِحُدُودِهِ أَرْضِهِ وَغِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ وَكُلِّ حَقٍّ لَهُ فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ رَهْنًا‏.‏ وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك بَعْضَ دَارِي أَوْ رَهَنْتُك شِقْصًا أَوْ جُزْءًا مِنْ دَارِي لَمْ يَكُنْ هَذَا رَهْنًا، وَلَوْ أَقْبَضَهُ جَمِيعَ الدَّارِ حَتَّى يُسَمِّيَ كَمْ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوْ الشِّقْصُ أَوْ الْجُزْءُ رُبْعًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا لاَ يَكُونُ بَيْعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقْبَضَهُ الدَّارَ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ رَهَنْتُكَهَا إلَّا مَا شِئْت أَنَا وَأَنْتَ مِنْهَا أَوْ إلَّا جُزْءًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ رَهْنًا‏.‏

مَا يَكُونُ إخْرَاجًا لِلرَّهْنِ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، وَمَا لاَ يَكُونُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَجِمَاعُ مَا يُخْرِجُ الرَّهْنَ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبْرَأَ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّهْنُ بِدَفْعٍ أَوْ إبْرَاءٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لَهُ أَوْ يَسْقُطُ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَيَكُونُ الرَّهْنُ خَارِجًا مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ عَائِدًا إلَى مِلْكِ رَاهِنِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرْهَنَ أَوْ بِقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ قَدْ فَسَخْت الرَّهْنَ أَوْ أَبْطَلْته أَوْ أَبْطَلْت حَقِّي فِيهِ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً أَشْيَاءَ مِثْلَ دَقِيقٍ، وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ وَعُرُوضٍ وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَتَيْ دِينَارٍ أَوْ بَعِيرًا وَطَعَامًا فَدَفَعَ الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ جَمِيعَ مَالِهِ فِي الرُّهُونِ كُلِّهَا إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ وَيْبَةَ حِنْطَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا كَانَتْ الرُّهُونُ كُلُّهَا بِالْبَاقِي‏.‏ وَإِنْ قَلَّ لاَ سَبِيلَ لِلرَّاهِنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ لِغُرَمَائِهِ، وَلاَ لِوَرَثَتِهِ لَوْ مَاتَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُرْتَهِنُ كُلَّ مَالِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الرُّهُونَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ يُفَكُّ بَعْضُهَا قَبْلَ بَعْضٍ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً جَارِيَةً فَقَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي عِتْقِهَا فَلَمْ يُعْتِقْهَا أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي وَطْئِهَا فَلَمْ يَطَأْهَا أَوْ وَطِئَهَا فَلَمْ تَحْمَلْ فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا لاَ يُخْرِجُهَا مِنْ الرَّهْنِ إلَّا بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيمَا وَصَفْت كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَدَّهَا الْمُرْتَهِنُ إلَى الرَّاهِنِ بَعْدَ قَبْضِهِ إيَّاهَا بِالرَّهْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَالَ اسْتَمْتِعْ مِنْ وَطْئِهَا وَخِدْمَتِهَا كَانَتْ مَرْهُونَةً بِحَالِهَا لاَ تَخْرُجُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ حَمَلَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ الْوَطْءِ فَوَلَدَتْ أَوْ أَسْقَطَتْ سِقْطًا قَدْ بَانَ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِسَيِّدِهَا الرَّاهِنِ وَخَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِرَهْنٍ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي الْوَطْءِ، وَهَكَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَضْرِبَهَا فَضَرَبَهَا فَمَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِبَدَلٍ مِنْهَا يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ فِي الضَّرْبِ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَمَةً فَآجَرَهُ إيَّاهَا فَوَطِئَهَا الرَّاهِنُ أَوْ اغْتَصَبَهَا الرَّاهِنُ نَفْسَهَا فَوَطِئَهَا فَإِنْ لَمْ تَلِدْ فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَلاَ عُقْرَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهَا أَمَةُ الرَّاهِنِ، وَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا فَنَقَصَهَا الْوَطْءُ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُ الرَّاهِنِ بِمَا نَقَصَهَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا أَوْ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ كَمَا تَكُونُ جِنَايَتُهُ عَلَيْهَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَأَفْضَاهَا أَوْ نَقَصَهَا نَقْصًا لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ فَلاَ شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ، وَهِيَ رَهْنٌ كَمَا هِيَ‏.‏ وَإِنْ حَبِلَتْ وَوَلَدَتْ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْوَطْءِ، وَلاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهَا لاَ تُبَاعُ مَا كَانَتْ حُبْلَى، فَإِذَا وَلَدَتْ بِيعَتْ، وَلَمْ يَبِعْ وَلَدَهَا، وَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلاَدَةُ شَيْئًا فَعَلَى الرَّاهِنِ مَا نَقَصَتْهَا الْوِلاَدَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ مِنْ الْوِلاَدَةِ فَعَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَ بِقِيمَتِهَا صَحِيحَةً تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا أَوْ قِصَاصًا مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلاَ يَكُونُ إحْبَالُهُ إيَّاهَا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهَنَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَلاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَأُبْطِلَ الْعِتْقُ وَتُبَاعُ بِالْحَقِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْوَى أَلْفًا، وَإِنَّمَا هِيَ مَرْهُونَةٌ بِمِائَةٍ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْمِائَةِ وَبَقِيَ مَا بَقِيَ رَقِيقًا لِسَيِّدِهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَتُعْتَقُ بِمَوْتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ أَعْتَقَ أُمَّ الْوَلَدِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، وَلاَ تُعْتَقُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَوْ كَانَ رَهَنَهُ إيَّاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَلَمْ تَلِدْ، وَلاَ مَالَ لَهُ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَعَتَقَ مَا بَقِيَ مَكَانَهُ‏.‏ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَا لَهُ عَتَقَ مَا بَقِيَ، وَلَمْ يَبِعْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ‏.‏ وَالْقَوْلُ الثَّانِي‏:‏ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ أَوْلَدَهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ لاَ تُبَاعُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ، وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلاَ يَسْعَى فِي شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهَا، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا رَهَنَ مِنْ الرَّقِيقِ كُلِّهِمْ ذُكُورِهِمْ، وَإِنَاثِهِمْ، وَإِذَا بِيعَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فِي الرَّهْنِ بِمَا وَصَفْت فَمَلَكَهَا السَّيِّدُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ، وَوَطْؤُهُ إيَّاهَا، وَعِتْقُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ مُخَالِفٌ لَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ‏.‏ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ وَالْعِتْقِ فَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ وَطِئْتُهَا أَوْ أَعْتَقْتُهَا بِإِذْنِكَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ مَا أَذِنْتُ لَكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ حَلَفَ الرَّاهِنُ لَقَدْ أَذِنَ لَهُ ثُمَّ كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الرَّاهِنُ أُحْلِفَتْ الْجَارِيَةُ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ بِعِتْقِهَا أَوْ وَطْئِهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ هِيَ، وَلاَ السَّيِّدُ كَانَتْ رَهْنًا بِحَالِهَا‏.‏ وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى الرَّاهِنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عِتْقِهَا أَوْ وَطْئِهَا، وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَوْ أَعْتَقَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ أُحْلِفُوا مَا عَلِمُوا أَبَاهُمْ أَذِنَ لَهُ لَمْ يُزَادُوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ فَادَّعَى وَرَثَةُ هَذَا أُحْلِفَ لَهُمْ الْمُرْتَهِنُ مَا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ وَالْعِتْقِ كَمَا وَصَفْتُ أَوَّلاً‏.‏ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مُفْلِسًا فَأَمَّا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا فَتُؤْخَذُ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْهُ فِي الْعِتْقِ وَالْإِيلاَدِ ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا رَهْنًا مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِّ أَنَّ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ، وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ الْحَقِّ رُدَّ مَا فَضَلَ عَنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ‏.‏ وَإِذَا أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي وَطْءِ أَمَتِهِ ثُمَّ قَالَ‏:‏ هَذَا الْحَبَلُ لَيْسَ مِنْك هُوَ مِنْ زَوْجٍ زَوَّجْتُهَا إيَّاهُ أَوْ مِنْ عَبْدٍ فَادَّعَاهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ ابْنُهُ، وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لاَحِقٌ بِهِ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلاَ يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ إحْلاَفِهِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ دَعْوَتِهِ الْوَلَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ أَلْحَقْتُ الْوَلَدَ بِهِ وَجَعَلْتُ الْجَارِيَةَ أُمَّ وَلَدٍ فَلاَ مَعْنَى لِيَمِينِهِ إذَا حَكَمْتُ بِإِخْرَاجِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الرَّهْنِ‏.‏ وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ أَذِنْتَ لِي فِي وَطْئِهَا فَوَلَدَتْ لِي، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ مَا أَذِنْتُ لَكَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا وَالْجَارِيَةُ حُبْلَى لَمْ تُبَعْ حَتَّى تَلِدَ ثُمَّ تُبَاعُ، وَلاَ يُبَاعُ، وَلَدُهَا، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ مُنْذُ مُدَّةٍ ذَكَرُوهَا فِي وَطْءِ أَمَتِهِ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّيِّدِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّيِّدِ بِحَالٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ مِنْ غَيْرِهِ بِيعَتْ الْأَمَةُ، وَلاَ يُبَاعُ الْوَلَدُ بِحَالٍ، وَلاَ يَكُونُ الْوَلَدُ رَهْنًا مَعَ الْأَمَةِ، وَإِذَا رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً أَمَةً ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ زَوَّجَهَا بَعْدَ الرَّهْنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يُمْنَعْ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا وَالْبِنَاءِ بِهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ حَبِلَتْ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ لاَ تُبَاعُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ثُمَّ تَكُونَ الْجَارِيَةُ رَهْنًا وَالْوَلَدُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ‏:‏ إنَّمَا يَمْنَعُنِي مِنْ بَيْعِهَا حُبْلَى وَوَلَدُهَا مَمْلُوكٌ أَنَّ الْوَلَدَ لاَ يُمْلَكُ بِمَا تُمْلَكُ بِهِ الْأُمُّ إذَا بِيعَتْ فِي الرَّهْنِ، فَإِنْ سَأَلَ الرَّاهِنُ أَنْ تُبَاعَ وَيُسَلَّمَ الثَّمَنُ كُلُّهُ لِلْمُرْتَهِنِ فَذَلِكَ لَهُ‏.‏ وَالْقَوْلُ الثَّانِي‏:‏ أَنَّهَا تُبَاعُ حُبْلَى، وَحُكْمُ الْوَلَدِ حُكْمُ الْأُمِّ حَتَّى يُفَارِقَهَا فَإِذَا فَارَقَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ جَارِيَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا وَيَمْنَعُ إذَا كَانَتْ حَامِلاً وَحَلَّ الْحَقُّ مِنْ بَيْعِهَا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُزَوِّجَهَا؛ لِأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ، وَأَيُّهُمَا زُوِّجَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى التَّزْوِيجِ قَبْلَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَهْنًا إلَى أَجَلٍ فَاسْتَأْذَنَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ فَأَذِنَ لَهُ فِيهِ فَبَاعَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، وَلاَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّاهِنَ بِرَهْنٍ مَكَانَهُ، وَلَهُ مَا لَمْ يَبِعْهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي إذْنِهِ لَهُ بِالْبَيْعِ فَإِنْ رَجَعَ فَبَاعَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ فِي الْإِذْنِ لَهُ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ، وَقَالَ‏:‏ إنَّمَا أَذِنْتُ لَهُ فِي أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي ثَمَنَهُ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَقُلْ لَهُ أَنَفَذْت الْبَيْعَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، وَلاَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ‏:‏ أَذِنْتُ لَهُ وَشَرَطْتُ أَنْ يُعْطِيَنِي ثَمَنَهُ، وَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ أَذِنَ لِي، وَلَمْ يَشْتَرِطْ حَتَّى يَجْعَلَهَا رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ بِبَيْعِهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ إلَّا عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ حَقَّهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ‏.‏ وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ فَبَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ فَسَخْتُ الْبَيْعَ مِنْ قِبَلِ فَسَادِ الشَّرْطِ فِي دَفْعِهِ حَقَّهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ بِأَخْذِ الرَّهْنِ فَإِنْ فَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي بِمَوْتٍ فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ كَانَ مَرْدُودًا وَتُوضَعُ قِيمَتُهُ رَهْنًا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي إلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَعْجِيلِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ تَطَوُّعًا مُسْتَأْنَفًا لاَ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ‏.‏ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ رَهْنًا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، وَكَانَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا الَّتِي أَذِنَ لَهُ فِيهَا أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُقْبِضَهُ ثَمَنَهُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ فَكَانَ فِيهِ غَيْرُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ ثَمَنَهُ وَثَمَنُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِحَقٍّ حَالٍّ فَأَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَ الرَّهْنِ، وَلاَ يَحْبِسَ عَنْهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ فِي مَالِهِ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا أَجَزْنَاهُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعِهِ، وَإِيفَائِهِ حَقَّهُ قَبْلَ شَرْطِ ذَلِكَ عَلَيْهِ‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ فَيُعْطِيهِ الْحَقَّ، وَلَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَحِلَّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي إذْنِهِ لَهُ مَا لَمْ يَبِعْهُ فَإِذَا بَاعَهُ وَتَمَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ أَوْ قَبَضَهُ فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَ ثَمَنِهِ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ لِنَفْسِهِ فَبَاعَ فَكَانَ كَمَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً، وَقَبَضَهُ أَوْ كَمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي فَسْخِ الرَّهْنِ فَفَسَخَهُ، وَكَانَ ثَمَنُ الْعَبْدِ مَالاً مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ وَغَيْرُهُ مِنْ غُرَمَائِهِ أُسْوَةً‏.‏ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ قَدْ فَسَخْت فِيهِ الرَّهْنَ أَوْ أَبْطَلْته، فَإِذَا قَالَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الرَّهْنِ، وَكَانَ فِي الرَّهْنِ كَغَرِيمٍ غَيْرِهِ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْجَارِيَةَ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنْ وَلَدَتْ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ لَمْ يُكْرِهَّا فَلاَ مَهْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى جَهَالَةً لَمْ يُعْذَرْ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا أَوْ كَانَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ‏.‏ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْجَارِيَةِ أَذِنَ لَهُ، وَكَانَ يَجْهَلُ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلَحِقَ الْوَلَدُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا، وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَفِي الْمَهْرِ قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا‏.‏ وَالْآخَرُ‏:‏ لاَ مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَهَا، وَمَتَى مَلَكَهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَتُبَاعُ الْجَارِيَةُ وَيُؤَدَّبُ هُوَ وَالسَّيِّدُ لِلْإِذْنِ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ إنْ مَلَكَهَا يَوْمًا مَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا، وَهُوَ يَمْلِكُهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ الرَّاهِنَ الْمَالِكَ، وَهَبَهَا لَهُ قَبْلَ الْوَطْءِ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهَا أَوْ أَعْمَرَهُ إيَّاهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ اقْتَصَّهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَخَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ إذَا صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ كَانَ الرَّاهِنُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ فَالْجَارِيَةُ وَوَلَدُهَا رَقِيقٌ إذَا عُرِفَ مِلْكُهَا لِلرَّاهِنِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ‏.‏ وَإِذَا أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ لَهُ وَرَثَةُ الرَّاهِنِ عَلَى عِلْمِهِمْ فِيمَا ادَّعَى مِنْ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَيْهِ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ وَلَهُ فِي وَلَدِهِ قَوْلٌ آخَرُ إنَّهُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَيَغْرَمُ صَدَاقَ مِثْلِهَا‏.‏

جَوَازُ شَرْطِ الرَّهْنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ أَذِنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الرَّهْنِ مَعَ الدَّيْنِ، وَكَانَ الدَّيْنُ يَكُونُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْحُقُوقِ، وَكَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا مَعَ كُلِّ الْحُقُوقِ شُرِطَ فِي عُقْدَةِ الْحُقُوقِ أَوْ اُرْتُهِنَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُقُوقِ، وَكَانَ مَعْقُولاً أَنَّ الرَّهْنَ زِيَادَةُ وَثِيقَةٍ مِنْ الْحَقِّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَعَ الْحَقِّ مَأْذُونٌ فِيهَا حَلاَلٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَقِّ نَفْسِهِ، وَلاَ جُزْءٍ مِنْ عَدَدِهِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً بَاعَ رَجُلاً شَيْئًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ يَعْرِفُهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَلَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ تَامًّا حَتَّى يُقْبِضَهُ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ أَوْ مَنْ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ مَعًا، وَمَتَى مَا أَقَبَضَاهُ إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَا إلَى الْحَاكِمِ فَالْبَيْعُ لاَزِمٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَهُ؛ لِيَقْبِضَهُ فَتَرَكَهُ الْبَائِعُ كَانَ الْبَيْعُ تَامًّا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ ارْتَفَعَا إلَى الْحَاكِمِ وَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ أَنْ يُقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ هِبَةً فَلَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لاَ تَتِمُّ لَهُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا فَلَمْ يَدْفَعْ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إلَى الْبَائِعِ الْمُشْتَرِطِ لَهُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي إتْمَامِ الْبَيْعِ بِلاَ رَهْنٍ أَوْ رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي دُونَ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رُهُونًا فَأَقْبَضَهُ بَعْضَهَا، وَمَنَعَهُ بَعْضَهَا، وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَمِيلاً بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَحْمِلْ لَهُ بِهَا الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَطَ حِمَالَتَهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي إتْمَامِ الْبَيْعِ بِلاَ حَمِيلٍ أَوْ فَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّتِهِ دُونَ الْحَمِيلِ‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَمَنَعَهُ الرَّهْنُ أَوْ الْحَمِيلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ هُوَ نَقْصٌ يَكُونُ لَهُ بِهِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَزِيَادَةَ رَهْنِ أَوْ ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا فَسَادٌ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْتَقَصْ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ إنَّمَا انْتَقَصَ شَيْءٌ غَيْرُ الثَّمَنِ وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ لاَ مِلْكٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا فَاسِدًا فَيَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ‏.‏ وَهَكَذَا هَذَا فِي كُلِّ حَقٍّ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ فَشَرَطَ لَهُ فِيهِ رَهْنًا أَوْ حَمِيلاً فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بِعِوَضٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الْعِوَضِ كَمَا كَانَ لَهُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي أَنْ أَسْلَفَهُ سَلَفًا بِلاَ بَيْعٍ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَهُ بِلاَ رَهْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ شَيْئًا فَلَمْ يُقَبِّضْهُ إيَّاهُ فَالْحَقُّ بِحَالِهِ، وَلَهُ فِي السَّلَفِ أَخْذُهُ مَتَى شَاءَ بِهِ، وَفِي حَقِّهِ غَيْرُ السَّلَفِ أَخْذُهُ مَتَى شَاءَ إنْ كَانَ حَالًّا‏.‏ وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا يُرْضِيهِ حَمِيلاً ثِقَةً أَوْ يُعْطِيهِ رِضَاهُ مِنْ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ أَوْ مَا شَاءَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ أَوْ مَا شَاءَ أَحَدُهُمَا مِنْ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ أَحَدِهِمَا بِمَا تَشَارَطَا‏.‏ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَهُ بِحَمِيلٍ أَوْ رَهْنٍ فَقَالَ لاَ أَرْضَاهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِأَنَّهُ رَضِيَ رَهْنًا بِعَيْنِهِ أَوْ حَمِيلاً بِعَيْنِهِ فَأَعْطَاهُ، وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عَبْدًا لَهُ يَعْرِفَانِهِ رَهْنًا لَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْهُ شَيْئًا مِنْ شَرْطِهِ الَّذِي عَرَفَا مَعًا‏.‏ وَهَكَذَا لَوْ بَاعَهُ بَيْعًا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ مَا أَفَادَ فِي يَوْمِهِ أَوْ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْبَتِهِ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا بِمِثْلِ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا أَوْ أَكْثَرَ‏.‏ وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّهْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ رَهْنًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَرَثَتِهِ دَفْعُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ تَطَوَّعُوا، وَلاَ وَارِثَ مَعَهُمْ، وَلاَ صَاحِبَ وَصِيَّةٍ فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ فَهُوَ رَهْنٌ، وَلَهُ بَيْعُهُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ قَدْ حَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ أَوْ إتْمَامِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِطُ الرَّهْنَ هُوَ الْمَيِّتَ كَانَ دَيْنُهُ إلَى أَجَلِهِ إنْ كَانَ مُؤَجَّلاً أَوْ حَالًّا إنْ كَانَ حَالًّا، وَقَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فَإِنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِمْ الرَّهْنَ فَالْبَيْعُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ فَلَهُمْ الْخِيَارُ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ كَمَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِيهِ أَوْ إتْمَامُهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فَائِتًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فَائِتًا أَوْ السِّلْعَةُ الْمُشْتَرَاةُ فَائِتَةً جَعَلْتُ لَهُ الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ يُتِمَّهُ فَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ أَوْ يَنْقُضَهُ فَيَأْخُذُ قِيمَتَهُ كَمَا أَجْعَلُهُ لَهُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا فَمَاتَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْته بِأَلْفٍ وَجَعَلْتُ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي، وَلاَ أُحَلِّفُهُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ لاَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بَرَاءَةً مِنْ شَيْءٍ كَمَا ادَّعَى هُنَاكَ الْمُشْتَرِي بَرَاءَةً مِمَّا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلاً بَيْعًا بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ إلَى أَجَلٍ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَهْنٌ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلاَ شَرَطَ الرَّهْنَ عِنْدَ عَقْدِهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثُمَّ تَطَوَّعَ لَهُ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَرْهَنَهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَرَهَنَهُ إيَّاهُ فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَرَادَ الرَّاهِنُ إخْرَاجَ الرَّهْنِ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُرْتَهِنُ كَمَا لاَ يَكُونُ لَهُ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِشَرْطٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ رَهَنَهُ بِشَرْطٍ فَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ ثُمَّ زَادَهُ رَهْنًا آخَرَ مَعَهُ أَوْ رُهُونًا فَأَقْبَضَهُ إيَّاهَا ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهَا أَوْ إخْرَاجَ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ الرُّهُونُ تَسْوَى أَضْعَافَ مَا هِيَ مَرْهُونَةٌ بِهِ، وَلَوْ زَادَهُ رُهُونًا أَوْ رَهَنَهُ رُهُونًا مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَقْبَضَهُ بَعْضَهَا، وَلَمْ يُقْبِضْهُ بَعْضَهَا كَانَ مَا أَقْبَضَهُ رَهْنًا، وَمَا لَمْ يُقْبِضْهُ غَيْرُ رَهْنٍ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ مَا أَقْبَضَهُ بِمَا لَمْ يُقْبِضْهُ‏.‏ وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ نَفْسُهُ رَهْنًا لِلْبَائِعِ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ السِّلْعَةَ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ مُحْتَبَسَةً عَنْ الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ هَذَا كَالسِّلْعَةِ لِنَفْسِهِ بِرَهْنِهِ إيَّاهَا أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ جَازَ، وَهُوَ لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ وَسَوَاءٌ تَشَارَطَا وَضْعَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ الْبَائِعِ أَوْ عَدْلٍ غَيْرِهِ، وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ فَلِوَرَثَتِهِ فِيهِ مَا كَانَ لَهُ، وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ لاَ يُنْتَقَضُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ مَوْتِهِمَا، وَلاَ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ وَلِوَرَثَةِ الرَّاهِنِ إذَا مَاتَ فِيهِ مَا لِلرَّاهِنِ مِنْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ الرَّهْنِ أَوْ يُبَاعُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ دَيْنَ أَبِيهِمْ قَدْ حَلَّ، وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْمُرْتَهِنَ بِبَيْعِهِ وَيَمْنَعُوهُ مِنْ حَبْسِهِ عَنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِي حَبْسِهِ وَيَتْلَفُ فَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ أَبِيهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ الْفَضْلُ عَمَّا رَهَنَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ‏.‏ وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ غَائِبًا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَنْ يَبِيعُ الرَّهْنَ وَيَجْعَلُ حَقَّهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ‏.‏ وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ بِلاَ رَهْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ رَهْنًا فَالرَّهْنُ جَائِزٌ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ أَرْهَنُك عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي فِي الْأَجَلِ فَفَعَلَ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْحَقُّ الْحَالُّ كَمَا كَانَ وَالْمُؤَجَّلُ إلَى أَجَلِهِ الْأَوَّلِ بِحَالِهِ وَالْأَجَلُ الْآخَرُ بَاطِلٌ وَغُرَمَاءُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ الْفَاسِدِ أُسْوَةُ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ تَأْخِيرَ الْأَجَلِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا أَوْ يُسَلِّفَهُ إيَّاهُ أَوْ يَعْمَلَهُ لَهُ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ، وَلَمْ يَرْهَنْهُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ، وَلاَ يَجُوزُ الرَّهْنُ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ قِبَلَهُ حَتَّى يَتَطَوَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ بِلاَ زِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ‏:‏ بِعْنِي عَبْدَك بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَرْهَنَك بِالْمِائَةِ وَحَقِّك الَّذِي قِبَلَهَا رَهْنًا كَانَ الرَّهْنُ وَالْبَيْعُ مَفْسُوخًا كُلُّهُ، وَلَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْمَوْضُوعَ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ قَبَضَهُ جَعَلْته رَهْنًا، وَلَمْ أَقْبَلْ قَوْلَ الْعَدْلِ‏:‏ لَمْ أَقْبِضْهُ إذَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ قَبَضَهُ الْعَدْلُ‏.‏

اخْتِلاَفُ الْمَرْهُونِ وَالْحَقِّ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الرَّهْنُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْعَرَضُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ رَهَنِّيهِ فُلاَنٌ عَلَى كَذَا، وَقَالَ فُلاَنٌ مَا رَهَنْتُكَهُ، وَلَكِنِّي أَوْدَعْتُك إيَّاهُ أَوْ وَكَّلْتُك بِهِ أَوْ غَصَبْتَنِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ وَالْعَرَضِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ يُقِرُّ لَهُ بِمِلْكِهِ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ فِيهِ حَقًّا فَلاَ يَكُونُ فِيهِ بِدَعْوَاهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ رَهَنْتَنِيهِ بِأَلْفٍ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ، وَلَمْ أَرْهَنْك بِهِ مَا زَعَمْت كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ بِلاَ رَهْنٍ كَمَا أَقَرَّ، وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ دَارَانِ فَقَالَ‏:‏ رَهَنَنِيهِمَا فُلاَنٌ بِأَلْفٍ، وَقَالَ فُلاَنٌ‏:‏ رَهَنْتُك إحْدَاهُمَا وَسَمَّاهَا بِعَيْنِهَا بِأَلْفٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الدَّارِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَهْنٍ غَيْرِ رَهْنٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ رَهَنْتُك إحْدَاهُمَا بِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا بِمِائَةٍ، وَلَوْ قَالَ الَّذِي هُمَا فِي يَدَيْهِ‏:‏ رَهَنْتَنِيهِمَا بِأَلْفٍ، وَقَالَ رَبُّ الدَّارَيْنِ‏:‏ بَلْ رَهَنْتُك إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا بِأَلْفٍ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا رَهْنًا، وَكَانَتْ عَلَيْهِ أَلْفٌ بِإِقْرَارِهِ بِلاَ رَهْنٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ‏:‏ أَرْهَنُك إحْدَى دَارَيَّ هَاتَيْنِ، وَلاَ يُسَمِّيهَا، وَلاَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هَذَيْنِ، وَلاَ أَحَدَ ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ الرَّهْنُ حَتَّى يَكُونَ مُسَمًّى بِعَيْنِهِ‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ رَهَنِّيهَا فُلاَنٌ بِأَلْفٍ وَدَفَعَهَا إلَيَّ، وَقَالَ فُلاَنٌ رَهَنْتُهُ إيَّاهَا بِأَلْفٍ، وَلَمْ أَدْفَعْهَا إلَيْهِ فَعَدَا عَلَيْهَا فَغَصَبَهَا أَوْ تَكَارَاهَا مِنِّي رَجُلٌ فَأَنْزَلَهُ فِيهَا أَوْ تَكَارَاهَا مِنِّي هُوَ فَنَزَلَهَا، وَلَمْ أَدْفَعْهَا إلَيْهِ قَبْضًا بِالرَّهْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ، وَلاَ تَكُونُ رَهْنًا إذَا كَانَ يَقُولُ لَيْسَتْ بِرَهْنٍ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَهُوَ إذَا أَقَرَّ بِالرَّهْنِ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَقَالَ‏:‏ رَهَنِّيهَا فُلاَنٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَأَقْبَضَنِيهَا‏.‏ وَقَالَ فُلاَنٌ‏:‏ رَهَنْتُهُ إيَّاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفِ فَلْسٍ وَأَقْبَضْته إيَّاهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الدَّارِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْ رَجُلٍ عَبْدٌ فَقَالَ‏:‏ رَهَنِّيهِ فُلاَنٌ بِمِائَةٍ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ‏.‏ وَقَالَ رَبُّ الْعَبْدِ‏:‏ مَا رَهَنْتُهُ إيَّاهُ بِشَيْءٍ‏.‏ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَبْدِ، وَلاَ قَوْلَ لِلْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَالَ مَا رَهَنْتُكَهُ بِمِائَةٍ، وَلَكِنِّي بِعْتُكَهُ بِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ رَهْنًا، وَلاَ بَيْعًا إذَا اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ‏.‏ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ‏:‏ رَهَنْتُمَانِيهِ بِمِائَةٍ، وَقَبَضْتُهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا‏.‏ وَقَالَ الْآخَرُ‏:‏ مَا رَهَنْتُكَهُ بِشَيْءٍ كَانَ نِصْفُهُ رَهْنًا بِخَمْسِينَ وَنِصْفُهُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ شَهِدَ شَرِيكُ صَاحِبِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ عَدْلاً عَلَيْهِ أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ مَعَهُ، وَكَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُ رَهْنًا بِخَمْسِينَ، وَلاَ شَيْءَ فِي شَهَادَةِ صَاحِبِ الرَّهْنِ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُ فَأَرُدُّ بِهَا شَهَادَتَهُ، وَلاَ أَرُدُّ شَهَادَتَهُ لِرَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَوْ شَهِدَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ‏.‏ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَكَانَ فِي يَدَيْ اثْنَيْنِ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا ارْتَهَنَاهُ مَعًا بِمِائَةٍ فَأَقَرَّ الرَّجُلاَنِ لِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ رُهِنَ لَهُ وَحْدَهُ بِخَمْسِينَ وَأَنْكَرَا دَعْوَى الْآخَرِ لَزِمَهُمَا مَا أَقَرَّا بِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُمَا مَا أَنْكَرَا مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ، وَلَوْ أَقَرَّا لَهُمَا مَعًا بِأَنَّهُ لَهُمَا رُهِنَ، وَقَالاَ‏:‏ هُوَ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ وَادَّعَيَا مِائَةً لَمْ يَلْزَمْهُمَا إلَّا مَا أَقَرَّا بِهِ‏.‏ وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ لِأَحَدِ الْمُرْتَهِنَيْنِ رَهَنَّاكَهُ أَنْتَ بِخَمْسِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ لِلْآخَرِ الْمُرْتَهِنِ رَهَنَّاكَهُ أَنْتَ بِخَمْسِينَ كَانَ نِصْفُ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ رُبُعُ الْعَبْدِ رَهْنًا لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ تُجِيزُ إقْرَارَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ تُجِيزُ إقْرَارَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَشَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَنَفْسِهِ أَجَزْتُ شَهَادَتَهُمَا وَجَعَلْتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا بِإِقْرَارِهِ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أُخْرَى بِشَهَادَةِ صَاحِبِهِ إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ‏.‏ وَإِذَا كَانَتْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ‏:‏ رَهَنِّيهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهَا بِدِينَارٍ وَاحِدٍ أَوْ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُقِرٌّ لَهُ بِمِلْكِ الْأَلْفِ دِينَارٍ، وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ حَقًّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ إذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الرَّهْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِرَهْنٍ بِشَيْءٍ كَانَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهُ رَهَنَ بِشَيْءٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ‏.‏ وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِي عَبْدَك سَالِمًا بِمِائَةٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ بَلْ رَهَنْتُك عَبْدِي مُوَفَّقًا بِعَشَرَةٍ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وَلَمْ يَكُنْ سَالِمٌ رَهْنًا بِشَيْءٍ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ إنْ صَدَّقَهُ بِأَنَّ مُوَفَّقًا رُهِنَ بِهَا فَهُوَ رَهْنٌ‏.‏ وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَقَالَ‏:‏ بَلْ سَالِمٌ رُهِنَ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُوَفَّقٌ، وَلاَ سَالِمٌ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ يُبْرِئُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَفَّقٌ رَهْنًا‏.‏ وَلَوْ قَالَ‏:‏ رَهَنْتُك دَارِي بِأَلْفٍ، وَقَالَ‏:‏ الَّذِي يُخَالِفُهُ بَلْ اشْتَرَيْتهَا مِنْك بِأَلْفٍ وَتَصَادَقَا عَلَى قَبْضِ الْأَلْفِ تَحَالُفًا، وَكَانَتْ الْأَلْفُ عَلَى الَّذِي أَخَذَهَا بِلاَ رَهْنٍ، وَلاَ بَيْعٍ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ لَوْ رَهَنْتُك دَارِي بِأَلْفٍ أَخَذْتهَا مِنْك‏.‏ وَقَالَ‏:‏ الْمُقَرُّ لَهُ بِالرَّهْنِ بَلْ اشْتَرَيْت مِنْك عَبْدَك بِهَذِهِ الْأَلْفِ تَحَالَفَا، وَلَمْ تَكُنْ الدَّارُ رَهْنًا، وَلاَ الْعَبْدُ بَيْعًا، وَكَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفٌ بِلاَ رَهْنٍ، وَلاَ بَيْعٍ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ رَهَنْتُك دَارِي بِأَلْفٍ، وَقَبَضْت الدَّارَ، وَلَمْ أَقْبِضْ الْأَلْفَ مِنْك، وَقَالَ‏:‏ الْمُقَرُّ لَهُ بِالرَّهْنِ، وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ قَبَضْت الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا فَتَلْزَمُهُ وَيَحْلِفُ مَا أَخَذَ الْأَلْفَ ثُمَّ تَكُونُ الدَّارُ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَا يَكُونُ بِهِ رَهْنًا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَرَهَنَهُ بِهَا دَارًا فَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ، وَقَالَ‏:‏ الْمُرْتَهِنُ بَلْ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالَّةً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ‏:‏ رَهَنْتُكَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ بَلْ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَكُلُّ مَا لَمْ أَثْبَتَهُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَوْلِهِ جَعَلْتُ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ‏:‏ لَمْ أَرْهَنْكَهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَانِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ فَقَضَاهُ أَلْفًا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْقَاضِي قَضَيْتُك الْأَلْفَ الَّتِي بِالرَّهْنِ، وَقَالَ‏:‏ الْمُقْتَضِي بَلْ الْأَلْفُ الَّتِي بِلاَ رَهْنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ الْقَاضِي‏.‏ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَهُ بِأَلْفٍ فَقَالَ هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي رَهَنْتُك بِهَا فَقَبَضَهَا كَانَ عَلَيْهِ اسْتِلاَمُ رَهْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ عَنْهُ بِأَنْ يَقُولَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ أُخْرَى، وَلَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ بَعْدَ قَبْضِهِ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِالْحَبْسِ‏.‏ وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ إلَّا قَوْلَ دَافِعِ الْمَالِ‏.‏ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

جِمَاعُ مَا يَجُوزُ رَهْنُهُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ كُلُّ مَنْ جَازَ بَيْعُهُ مِنْ بَالِغٍ حُرٍّ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ جَازَ رَهْنُهُ، وَمَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ مِنْ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ عَلَى النَّظَرِ وَغَيْرِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَالِهِ، وَهِبَتُهُ بِكُلِّ حَالٍّ فَإِذَا جَازَتْ هِبَتُهُ فِي مَالِهِ كَانَ لَهُ رَهْنُهُ بِلاَ نَظَرٍ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ الْأَبُ لِابْنِهِ، وَلاَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ لَهُ إلَّا بِمَا فِيهِ فَضْلٌ لَهُمَا فَأَمَّا أَنْ يُسَلِّفَ مَالَهُمَا بِرَهْنٍ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ وَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَسْلَفَ مِنْ مَالِهِ وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَنْ يَرْتَهِنَا إذَا كَانَ ذَلِكَ صَلاَحًا لِمَالِهِمَا وَازْدِيَادًا فِيهِ فَأَمَّا أَنْ يُسَلِّفَا وَيَرْتَهِنَا فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمَا، وَلَكِنْ يَبِيعَانِ فَيَفْضُلاَنِ وَيَرْتَهِنَانِ، وَمَنْ قُلْتُ لاَ يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ إلَّا فِيمَا يَفْضُلُ لِنَفْسِهِ أَوْ يَتِيمِهِ أَوْ ابْنِهِ مِنْ أَبِ وَلَدٍ وَوَلِيِّ يَتِيمٍ، وَمُكَاتَبٍ وَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ وَالدَّيْنَ لاَزِمٌ فَالرَّهْنُ بِكُلِّ حَالٍ نَقْصٌ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنُوا إلَّا حَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يُودِعُوا أَمْوَالَهُمْ مِنْ الضَّرُورَةِ بِالْخَوْفِ إلَى تَحْوِيلِ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلاَ نُجِيزُ رَهْنَ مَنْ سَمَّيْتُ لاَ يَجُوزُ رَهْنُهُ إلَّا فِي قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ كُلُّهُ فَأَمَّا مَا لاَ يَضْمَنُ مِنْهُ فَرَهْنُهُ غَيْرُ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ، وَلاَ يَبْرَأُ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ مِنْ جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَلاَ يَجُوزُ سَوَاءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَالْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلاَ أَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ مُصْحَفًا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَفْسَخْهُ وَوَضَعْنَاهُ لَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ مُسْلِمٍ وَجَبَرْتُ عَلَى ذَلِكَ الْكَافِرَ إنْ امْتَنَعَ‏.‏ وَأَكْرَهُ أَنْ يَرْهَنَ مِنْ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا لِئَلَّا يُذَلَّ الْمُسْلِمُ بِكَيْنُونَتِهِ عِنْدَهُ بِسَبَبٍ يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْكَافِرُ وَلِئَلَّا يُطْعِمَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ خِنْزِيرًا أَوْ يَسْقِيَهُ خَمْرًا فَإِنْ فَعَلَ فَرَهَنَهُ مِنْهُ لَمْ أَفْسَخْ الرَّهْنَ قَالَ‏:‏ وَأَكْرَهُ رَهْنَ الْأَمَةِ الْبَالِغَةِ أَوْ الْمُقَارِبَةِ الْبُلُوغَ الَّتِي يُشْتَهَى مِثْلُهَا مِنْ مُسْلِمٍ إلَّا عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُرْتَهِنُ وَيُقِرَّهَا فِي يَدَيْ مَالِكِهَا أَوْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ لِلْجَارِيَةِ فَإِنْ رَهَنَهَا مَالِكُهَا مِنْ رَجُلٍ، وَأَقْبَضَهَا إيَّاهُ لَمْ أَفْسَخْ الرَّهْنَ، وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهَا مِنْ كَافِرٍ غَيْرَ أَنِّي أُجْبِرُ الْكَافِرَ عَلَى أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ مُسْلِمٍ وَتَكُونُ امْرَأَةً أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَةً وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ عَدْلٍ مَعَهُ امْرَأَةُ عَدْلٍ، وَإِنْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يَضَعَا الْجَارِيَةَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ غَيْرِ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا جَبَرْتُهُمَا أَنْ يَرْضَيَا بِعَدْلٍ تُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلاَ اخْتَرْتُ لَهُمَا عَدْلاً إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدَيْ مَالِكِهَا أَوْ الْمُرْتَهِنِ فَأَمَّا مَا سِوَى بَنِي آدَمَ فَلاَ أَكْرَهُ رَهْنَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَلاَ كَافِرٍ حَيَوَانٍ، وَلاَ غَيْرِهِ‏.‏ وَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا جَازَ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ جَازَ رَهْنُهَا وَبَيْعُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَهِبَتُهَا لَهُ وَلَهَا مِنْ مَالِهَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً مَا لِزَوْجِهَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ مَحْجُورَيْنِ لَمْ يَجُزْ رَهْنُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِذَا رُهِنَ مَنْ لاَ يَجُوزُ رَهْنُهُ فَرَهْنُهُ مَفْسُوخٌ، وَمَا عَلَيْهِ، وَمَا رُهِنَ كَمَا لَمْ يُرْهَنْ مَنْ مَالُهُ لاَ سَبِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ هُوَ، وَلاَ وَلِيُّهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يَرْفَعْ إلَى الْحَاكِمِ فَيَفْسَخُهُ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْحَجْرَ فَرَضِيَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالرَّهْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَبْتَدِئَ رَهْنًا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ وَيَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا فَعَلَ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ وَصَاحِبُ الرَّهْنِ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَيَجُوزُ رَهْنُ الرَّجُلِ الْكَثِيرِ الدَّيْنَ حَتَّى يَقِفَ السُّلْطَانُ مَالَهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقِفَ السُّلْطَانُ مَالَهُ، وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الرَّجُلَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ فَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَعَلَى الرَّاهِنِ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ إنْ وُجِدَ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ، وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ إذَا انْفَسَخَ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا بِكُلِّ حَالٍ وَهَكَذَا إنْ أَكْرَاهُ دَارًا أَوْ أَرْضًا أَوْ دَابَّةً وَرَهَنَ الْمُكْتَرِي الْمُكْرَى الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَهْنًا فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْكِرَاءُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ سَكَنَ أَوْ رَكِبَ أَوْ عَمِلَ لَهُ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكِرَاءُ مِثْلِ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَفَهُ الْمَحْجُورُ مَالاً وَرَهَنَهُ غَيْرُ الْمَحْجُورِ رَهْنًا كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ السَّلَفَ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ رَدُّ السَّلَفِ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إنْفَاقُ شَيْءٍ مِنْهُ فَإِنْ أَنْفَقَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَأَيُّ رَهْنٍ فَسَخْته مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ فِي الرَّهْنِ أَوْ فَسَادِ الرَّهْنِ أَوْ فَسَادِ الْبَيْعِ الَّذِي، وَقَعَ بِهِ الرَّهْنُ لَمْ أُكَلِّفْ الرَّاهِنَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ غَيْرِهِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ صَحِيحًا وَاسْتَحَقَّ الرَّهْنُ لَمْ أُكَلِّفْ الرَّاهِنَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ غَيْرِهِ قَالَ‏:‏ وَإِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ غَيْرُ الْمَحْجُورَيْنِ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ وَرَهَنَ أَحَدُهُمَا بِهِ صَاحِبَهُ رَهْنًا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَجِمَاعُ عِلْمِ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ كُلَّ حَقٍّ كَانَ صَحِيحَ الْأَصْلِ فَيَجُوزُ بِهِ الرَّهْنُ وَكُلَّ بَيْعٍ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فَيَفْسُدُ فِيهِ الرَّهْنُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي، وَلاَ الْمُكْتَرِي مَا بِيعَ أَوْ أَكْرَى لَمْ يَمْلِكْ الْمُرْتَهِنُ الْحَقَّ فِي الرَّهْنِ إنَّمَا يَثْبُتُ الرَّهْنُ لِلرَّاهِنِ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ عَلَيْهِ مَا أَعْطَاهُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ مَا أَعْطَاهُ بِهِ بَطَلَ الرَّهْنُ‏.‏ وَإِذَا بَادَلَ رَجُلٌ رَجُلاً عَبْدًا بِعَبْدٍ أَوْ دَارًا بِدَارٍ أَوْ عَرَضًا مَا كَانَ بِعَرَضٍ مَا كَانَ وَزَادَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ دَنَانِيرَ آجِلَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الزَّائِدُ بِالدَّنَانِيرِ رَهْنًا مَعْلُومًا فَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ جَائِزٌ إذَا قُبِضَ‏.‏ وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الرَّهْنَ، وَقَبَضَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ قَبَضَهُ لَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ وَأَمْرِ صَاحِبِ الرَّهْنِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ ابْنَ الرَّاهِنِ أَوْ امْرَأَتَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ابْنَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ سَمَّيْتُ أَوْ عَبْدَ الْمُرْتَهِنِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ فَأَمَّا عَبْدُ الرَّاهِنِ فَلاَ يَجُوزُ قَبْضُهُ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ عَبْدِهِ عَنْهُ كَقَبْضِهِ عَنْ نَفْسِهِ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاهِنِ كَانَ مُتَطَوِّعًا‏.‏ وَإِنْ رَهَنَهُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لِلرَّاهِنِ فَالْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ رَهْنٌ، وَإِنْ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِأَدَاءِ الْخَرَاجِ عَنْهَا لاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَهُ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ يَتَكَارَى الْأَرْضَ مِنْ الرَّجُلِ قَدْ تَكَارَاهَا فَيَدْفَعُ الْمُكْتَرِي الْأَرْضَ كِرَاءَهَا عَنْ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِنْ دَفَعَهُ بِإِذْنِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَفَعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِكُلِّ حَقٍّ لَزِمَ صَدَاقٌ أَوْ غَيْرُهُ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْلِمِ كَمَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ يَخْتَلِفُ، وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ بِصَدَاقٍ فَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَ نِصْفُ الْحَقِّ وَالرَّهْنِ بِحَالِهِ كَمَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الَّذِي فِي الرَّهْنِ إلَّا قَلِيلاً وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ‏.‏ وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ رَهْنًا بِتَمْرٍ أَوْ حِنْطَةٍ فَحَلَّ الْحَقُّ فَبَاعَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنَ بِتَمْرٍ أَوْ حِنْطَةٍ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ ثُمَّ يُشْتَرَى بِهَا قَمْحٌ أَوْ تَمْرٌ فيقضاه صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ الْمُقَارِضِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ مَضْمُونٍ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنٍ لَهُ مَعْرُوفٍ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ فَإِذَا بَاعَ بِالدَّيْنِ فَالرَّهْنُ ازْدِيَادٌ لَهُ، وَلاَ يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ إلَّا فِي مَالِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنْ رَهَنَ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَلاَ يَجُوزُ الرَّهْنُ‏.‏

الْعَيْبُ فِي الرَّهْنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ الرَّهْنُ رَهْنَانِ فَرَهْنٌ فِي أَصْلِ الْحَقِّ لاَ يَجِبُ الْحَقُّ إلَّا بِشَرْطِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الرَّهْنَ يُسَمِّيَانِهِ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكَانَ بِالرَّهْنِ عَيْبٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ عَيْبٌ فِي فِعْلِهِ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ وَعَلِمَ الْمُرْتَهِنُ الْعَيْبَ قَبْلَ الِارْتِهَانِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ وَالرَّهْنُ وَالْبَيْعُ ثَابِتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُرْتَهِنُ فَعَلِمَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ، وَإِثْبَاتِهِ، وَإِثْبَاتِ الرَّهْنِ لِلنَّقْصِ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ كَمَا يَكُونُ هَذَا فِي الْبُيُوعِ‏.‏ وَالْعَيْبُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ بِهِ الْخِيَارُ كُلُّ مَا نَقَصَ ثَمَنُهُ مِنْ شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَتَّى الْأَثَرِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ بِعَمَلِهِ وَالْفِعْلِ فَإِذَا كَانَ قَدْ عَلِمَهُ فَلاَ خِيَارَ لَهُ‏.‏ وَلَوْ كَانَ قَتَلَ أَوْ ارْتَدَّ وَعَلِمَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ ارْتَهَنَهُ كَانَ الرَّهْنُ ثَابِتًا فَإِنْ قُتِلَ فِي يَدَيْهِ فَالْبَيْعُ ثَابِتٌ، وَقَدْ خَرَجَ الرَّهْنُ مِنْ يَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ فَقُطِعَ فِي يَدَيْهِ كَانَ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَعْلَمْ بِارْتِدَادِهِ، وَلاَ قَتْلِهِ، وَلاَ سَرِقَتِهِ فَارْتَهَنَهُ ثُمَّ قُتِلَ فِي يَدِهِ أَوْ قُطِعَ كَانَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ‏.‏ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّاهِنُ دَلَّسَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ بِعَيْبٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ سَالِمًا فَجَنَى فِي يَدَيْهِ جِنَايَةً أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ فِي يَدَيْهِ كَانَ عَلَى الرَّهْنِ بِحَالِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ دَلَّسَ لَهُ فِيهِ بِعَيْبٍ، وَقَبَضَهُ فَمَاتَ فِي يَدَيْهِ مَوْتًا قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَهُ لِمَا فَاتَ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا يُقْتَلُ بِحَقٍّ فِي يَدَيْهِ أَوْ يُقْطَعُ فِي يَدَيْهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عَيْبٍ فِي رَهْنٍ مَا كَانَ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ‏.‏ وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْعَيْبِ فَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ رَهَنْتُك الرَّهْنَ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْعَيْبِ، وَقَالَ‏:‏ الْمُرْتَهِنُ مَا رَهَنْتَنِيهِ إلَّا مَعِيبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَامَهَا فَلِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ كَمَا وَصَفْتُ‏.‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْعَبْدَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ سَلَفًا فَوَجَدَ بِالرَّهْنِ عَيْبًا أَوْ لَمْ يَجِدْهُ فَسَوَاءٌ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ سَلَفِهِ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ سَمَّاهُ مُؤَجَّلاً، وَلَيْسَ السَّلَفُ كَالْبَيْعِ وَرَهْنٍ يَتَطَوَّعُ بِهِ الرَّاهِنُ وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْبَيْعَ إلَى أَجَلٍ بِغَيْرِ شَرْطِ رَهْنٍ فَإِذَا وَجَبَ بَيْنَهُمَا الْبَيْعُ وَتَفَرَّقَا ثُمَّ رَهَنَهُ الرَّجُلُ فَالرَّجُلُ مُتَطَوِّعٌ بِالرَّهْنِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ بِالرَّهْنِ عَيْبٌ مَا كَانَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ تَامًّا بِلاَ رَهْنٍ، وَلَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الرَّهْنَ، وَكَذَلِكَ لَهُ إنْ شَاءَ لَوْ كَانَ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ أَنْ يَفْسَخَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَقًّا لَهُ فَتَرَكَهُ وَيَجُوزُ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ وَالْمُصِيبِ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لاَ يُزِيلُ عَنْهُ الرِّقَّ فَإِذَا قُتِلَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ فَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلاَمِ ثُمَّ رَهَنَ عَبْدًا لَهُ فَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمُرْتَدِّ أَجَازَ رَهْنَهُ، وَمَنْ رَدَّ بَيْعَهُ رَدَّ رَهْنَهُ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ كَانَ الشَّافِعِيُّ يُجِيزُ رَهْنَ الْمُرْتَدِّ كَمَا يُجَوِّزُ بَيْعَهُ‏.‏